شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ٣٦٠ - «الشرح»
..........
القلّة و كثيرا ما تستعمل للمغالبة يقال: كاثرناهم فكثرناهم أى غلبناهم بالكثرة في المال أو العدّة. يعني من صفات العاقل التوسّط في تحصيل المعاش و الاقتصار بقدر الكفاف و هو القدر الّذي يحتاج إليه في بقاء شخصه و يتقوّى به في عبادة ربّه غير متجاوز عن ذلك الحدّ لعلمه بحقارة الدّنيا و مفارقته لها إلى دار القرار و وقوفه للحساب بين يدى الملك الجبّار فيبعثه ذلك إلى إعداد زاد الآخرة و الانقطاع عن حبل العلائق و صرف العمر في طلب الحقائق و الاجتناب عن زوائد الدّنيا و الاختيار في طريق المعاش أحسن الطرائق و هو طريق التوسّط و من صفات الجاهل صرف العمر في تحصيل ما لا يحتاج إليه من زهرات الدّنيا و زخارفها الموجبة للخسران و في استكثار الأموال و الأسباب للغلبة على غيره من أبناء الزّمان و ذلك يوجب فرار طبعه السقيم عن إدراك معالم الدّين حتّى يأتيه الموت بغتة و هو من الهالكين.
(و الحكمة و ضدّها الهوى)
(١) الحكمة ما يمنع من الجهل و الحكيم من منعه عقله منه اخذت من حكمة الدّابة و هي حديدة اللّجام لأنّها تمنع الدّابة عن الجموح و المراد بها العلم و العمل النافعين في الآخرة و اتّباع ما هو الأصلح و الأنفع فيها لا ما اشتهر من العلم بحقائق الأشياء و التصديق بأحوالها و العمل بما يقصد به العمل إذ هو شامل للحكمة النظريّة بأقسامها أعني علم ما بعد الطبيعة و علم الرّياضي و علم الطبيعي و للحكمة العمليّة بأقسامها أعنى تهذيب الاخلاق و تدبير المنازل و سياسات المدن و الظاهر أنّه لا مدخل لاصول الرّياضي في الدّين و الشارع لا يرغّب فيها، و هي علم الهندسة الباحث عن المقادير و أحكامها و لواحقها و علم الحساب الباحث عن أحوال العدد و خواصّه، و علم النجوم الباحث عن اختلاف أوضاع الأجرام العلويّة بنسبة بعضها إلى بعض و بالنسبة إلى الأجرام السفليّة و عن مقادير تلك الأجرام و أبعادها [١]. و علم التأليف الباحث عن أحوال المؤلفة، و علم الموسيقى
[١] ليس المراد بالحكمة المذكورة في هذا الموضع من الحديث علم الحكمة الاصطلاحى لانه (ع) جعلها في مقابل الهوى و لو كان المراد العلم الاصطلاحى لجعله في مقابل الجهل او السفاهة و الغباوة و أمثالها و هذا هو الصحيح في الاحتجاج لا ما ذكره الشارح (رحمه اللّه) من أن الشارع لا يرغب في العلوم الرياضية كالنجوم اذ فيه مؤاخذتان الاولى أن الشارع رغب في علم النجوم و أمثاله بقوله «إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافِ اللَّيْلِ وَ النَّهٰارِ- الى قوله- لَآيٰاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ» لان فيها دلائل على التوحيد كما رغب فى العلوم الطبيعية في آيات كثيرة و في الطب و التشريح و الجامع لذلك كله «سَنُرِيهِمْ آيٰاتِنٰا فِي الْآفٰاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ» و المؤاخذة الثانية أن كل شيء رغب فيه الشارع لا يجب حمل كل كلام عليه و ظاهر كلام الشارح أن ما يتعلق من علم الحكمة الاصطلاحى بالالهيات و علم النفس و تهذيبها و بالجملة ما رغب فيها و هى غير العلوم الرياضية و الطبيعية داخل في المراد (ش).