شرح الكافي - المازندراني، الملا صالح - الصفحة ١٥٨ - «الشرح»
..........
و هو غير واقع من العاقل، الرّابع الآمر لا محالة يريد نفاذ أمره في القلوب و فعله يوجب عدم نفاذه لأنّه ينفر القلوب عن القبول فقد نقض مراده بفعله و العاقل لا يفعل ذلك و لذلك ورد «أنّ العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ المطر عن الصفا [١]». الخامس أنّه إذا أمر بشيء أظهر للناس علمه بذلك الشيء فاذا تركه كان لومهم به أشدّ و ذمّهم به أبلغ من لوم من تركه تجاهلا أو بلا علم، و لذلك ورد أنّ عقوبة العالم إذا لم يعمل أعظم من عقوبة الجاهل [٢].
السادس أنّه بقوله يقول لهم افعلوا و بفعله يقول لهم لا تفعلوا فقد أتى بالمتناقضين و العقل يأباه. ثمّ المراد بالآية حثّ الواعظ على تزكية نفسه و تهذيبها و الإقبال عليها بتقديسها و تكميلها ليقيمها أولا ثمّ يقيم غيره و لذلك كان بعث الأنبياء بعد تكميل نفوسهم القدسيّة، لا منع الفاسق عن الوعظ كما زعم لأنّه مأمور بشيئين أحدهما ترك المعصية و الثاني منع الغير منها و الاخلال بأحد التكليفين لا يوجب الاخلال بالآخر، و دلالة الآية على النهي عن الجمع بينهما و تحريمه غير مسلّمة لجواز أن يكون النهي راجعا إلى نسيان النفس مطلقا لا إلى نسيانها منضمّا إلى الأمر بالمعروف و يشعر بذلك قوله (عليه السلام) و قال: «وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ» حيث رتّب الذّم عليه و لم يذكر صدر الآية، و فيه دلالة أيضا على جواز الاستشهاد ببعض الآية إذا كان تامّ الفائدة فيفهم جواز ذلك في الحديث بالطريق الأولى.
(يا هشام ثمّ ذمّ اللّه الكثرة فقال: وَ إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ)
(١) في عقايدهم و أقوالهم و أعمالهم
(يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ)
(٢) إذ الحقّ له سبيل واحد لا يسلكه إلّا العارف العالم الرّاسخ في علمه و ورعه و هو قليل جدّا و أمّا الباطل فله طرق متكثّرة يسلكها أكثر من في الأرض على مطايا الغواية و الجهالة و مراكب الغباوة و الضّلالة و يدعون إليها من اقتفى آثارهم و تتّبع أطوارهم و لا يأمرونه إلّا بما
[١] سيأتى فى كتاب العلم باب استعمال العلم تحت رقم ٣.
[٢] راجع باب «لزوم الحجة على العالم و تشديد الامر عليه» فيما يأتى من كتاب العلم.