تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٩٤ - الوجه الخامس «في زهده
القرص و لا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا و حولي بطون غرثى [١] و اكباد حرّى [٢].
أ أقنع من نفسي بان يقال: هذا أمير المؤمنين و لا أشاركهم في مكاره الدهر أو اكون أسوة لهم في جشوبة [٣] العيش، فما خلقت ليشغلني اكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها ... [٤]
(١) فالمتتبع لخطبه و كلماته عليه السّلام سيعلم علم اليقين كثرة زهده و عدم اعتنائه لزخارف الدنيا.
روى الشيخ المفيد انّه: لما توجّه أمير المؤمنين عليه السّلام الى البصرة نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج، فاجتمعوا ليسمعوا من كلامه و هو في خبائه قال ابن عباس: فأتيته فوجدته يخصف نعلا فقلت له: نحن الى ان تصلح أمرنا أحوج منّا الى ما تصنع، فلم يكلمني حتى فرغ من نعله ثم ضمّها الى صاحبتها و قال لي: قوّمهما.
فقلت: ليس لهما قيمة، قال: على ذاك، قلت كسر درهم، قال: و اللّه لهما أحب الي من أمركم هذا الّا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا [٥].
(٢) و من كلماته لابن عباس التي الجدير بها أن تكتب بالذهب هي قوله: أمّا بعد فانّ المرء قد يسرّه درك ما لم يكن ليفوته و يسوؤه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، و ليكن أسفك على ما فاتك منها، و ما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا، و ما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا، و ليكن همّك فيما بعد الموت [٦].
و بالجملة، مطالعة هذه المواعظ تكفينا للزهد في الدنيا و هي خير معين عليه.
[١] بطون غرثي: أي جائعة.
[٢] اكباد حرّى: مؤنث حران، أي عطشان.
[٣] الجشوبة: الخشونة.
[٤] نهج البلاغة، الكتاب رقم ٤٥، الى عثمان بن حنيف الانصاري.
[٥] الارشاد، ص ١٣٢
[٦] نهج البلاغة، الكتاب رقم ٢٢.