تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٠٣ - الفصل السابع في بيان كيفيّة وقوع المصيبة الكبرى و الداهية العظمى في وفاة خاتم الأنبياء محمّد المصطفى
و الانصار في معسكره حتى لا يبقى في المدينة عند وفاته من يختلف في الرئاسة و يطمع في التقدم على الناس بالامارة و يستتب الامر لمن استخلفه من بعده و لا ينازعه في حقه منازع.
فعقد له الامرة على ما ذكرناه.
(١) و جدّ (صلّى اللّه عليه و آله) في اخراجهم و أمر أسامة بالبروز عن المدينة بمعسكره الى الجرف و حثّ الناس على الخروج إليه و المسير معه و حذّرهم من التلوّم و الابطاء عنه.
فبينما هو في ذلك اذ عرضت له الشكاة التي توفي فيها، فلما أحس بالمرض الذي عراه أخذ بيد عليّ عليه السّلام و اتبعه جماعة من الناس و توجّه الى البقيع، فقال لمن اتبعه: انّي قد أمرت بالاستغفار لأهل البقيع فانطلقوا معه حتى وقف بين أظهرهم و قال:
السلام عليكم يا أهل القبور ليهنئكم ما أصبحتم فيه، مما فيه الناس، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها.
(٢) ثم استغفر لأهل البقيع طويلا و أقبل على أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له: انّ جبرئيل عليه السّلام كان يعرض عليّ القرآن كل سنة مرّة و قد عرضه عليّ العام مرّتين و لا أراه الّا لحضور أجلي.
ثم قال: يا عليّ انّي خيّرت بين خزائن الدنيا و الخلود فيها أو الجنة فاخترت لقاء ربي و الجنة.
فاذا أنا متّ فاغسلني و استر عورتي فانّه لا يراها أحد الّا أكمه، ثم عاد الى منزله فمكث ثلاثة ايام موعوكا، ثم خرج الى المسجد معصوب الرأس معتمدا على أمير المؤمنين عليه السّلام بيمنى يديه و على الفضل بن العباس باليد الاخرى حتى صعد المنبر فجلس عليه، ثم قال:
معاشر الناس قد حان منّي خفوق من بين أظهركم فمن كان له عندي عدة فليأتني أعطه إياها و من كان له عليّ دين فليخبرني به.
(٣) معاشر الناس ليس بين اللّه، و بين أحد شيء يعطيه به خيرا أو يصرف عنه به شرا الا العمل، أيها الناس لا يدعي مدع و لا يتمنى متمن و الذي بعثني بالحق نبيا لا ينجّي الا عمل مع رحمة و لو عصيت لهويت.