تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٢٧٢ - الفصل الثالث في بيان وفاتها صلوات اللّه عليها و على أبيها و بعلها و بنيها
و اجتمع الناس فجلسوا و هم يرجون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها و خرج أبو ذر فقال:
انصرفوا فانّ ابنة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد أخّر اخراجها في هذه العشيّة، فقام الناس و انصرفوا.
(١) فلما أن هدأت العيون و مضى من الليل، أخرجها عليّ و الحسن و الحسين عليهما السّلام و عمار و المقداد و عقيل و الزبير و أبو ذر و سلمان و بريدة، و نفر من بني هاشم و خواصه، صلّوا عليها و دفنوها في جوف الليل و سوّى على حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها و قيل أربعين قبرا كما في رواية [١].
(٢) و قيل: قبرها سوي مع الارض مستويا فمسحها مسحا سواء مع الارض حتى لا يعرف أحد موضعه [٢].
و ذلك لإخفاء قبرها و أن لا يصلّي عليه أحد أو يهمّ بنبشه و لذا وقع الخلاف في موضع
[١] قال ابو جعفر الطبري الامامي في الدلائل: ... و قد كمل عمرها يوم قبضت ثماني عشرة سنة و خمسة و ثمانين يوما بعد وفاة ابيها، فغسلها أمير المؤمنين عليه السّلام و لم يحضرها غيره و الحسن و الحسين و زينب و أمّ كلثوم ... أخرجها الى البقيع ليلا و معه الحسنان و صلّى عليها و لم يعلم بها و لا حضر وفاتها و لا صلّى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، و دفنها في الروضة و عفى موضع قبرها و أصبح البقيع ليلة مدفنها فيه أربعون قبرا جديدا، و لما علم المسلمون بوفاتها جاءوا الى البقيع فوجدوا فيه أربعون قبرا، فأشكل عليهم قبرا من سائر القبور، فضج الناس و لام بعضهم بعضا و قالوا: لم يخلف فيكم نبيكم الّا بنتا واحدة تموت و تدفن و لم تحضروا وفاتها و لا دفنها و لا الصلاة عليها بل و لم تعرفوا قبرها.
فقال ولاة الامر منهم: هاتوا من نساء المسلمين من ينبشن هذه القبور حتى نجدها فنصلّي عليها و نعيّن قبرها، فبلغ ذلك امير المؤمنين عليه السّلام فخرج مغضبا قد احمرت عيناه و درّت أوداجه و عليه القباء الاصفر الذي كان يلبسه في الكريهة و هو يتوكّأ على سيفه ذو الفقار حتى اتى البقيع، فسار الى الناس من انذرهم و قال: هذا عليّ قد أقبل كما ترونه و هو يقسم باللّه لئن حول من هذه القبور حجر ليضعن السيف في رقاب الامرين.
فتلقّاه عمر و من معه من اصحابه و قال له: ما لك يا أبا الحسن و اللّه لننبش قبرها و نصلّي عليها، فأخذ عليّ بجوامع ثوبه ثم ضرب به الارض و قال: يا بن السوداء امّا حقّي فقد تركته مخافة ارتداد الناس عن دينهم، و اما قبر فاطمة فو الذي نفس عليّ بيده لئن رمت أنت أو أصحابك شيئا لأسقينّ الارض من دمائكم فان شئت فافعل يا ثاني، و جاء ابو بكر و قال له: يا أبا الحسن بحق رسول اللّه و بحق فاطمة الّا خلّيت عنه، فانّا لسنا فاعلين شيئا تكرهه، فخلّى عنه و تفرّق الناس و لم يعودوا الى ذلك.
[٢] روضة الواعظين، ج ١، ص ١٥١