تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٨٣٥ - «نصح و تحذير»
(١) و لا بد له من الحذر أيضا حتى لا يدخل في زمرة الذين لزموا مقدمات الوعظ لا حقيقته، و الذين حفظوا الخطب البليغة لمولانا امير المؤمنين عليه السّلام و بعض النصائح الشافية الوافية له و ذكرها على المنبر، و تحذير الناس عن الانهماك في الدنيا و الغوص في مهالكها و تخويفهم عن حبّها و بيان مفاسدها و الترغيب في الزهد فيها و عدم الاعتناء بزخارفها و زبارجها، استشهادا بأحوال الأئمة و الخواص من أصحابهم و العلماء الراشدين، و قد يذكر أحوال النفس و صفاتها الحسنة كالخوف و الرجاء و التوكّل و الرضا، أو صفاتها الرذيلة و القبيحة، نقلا عن كتب الاخلاق أو كتاب الغزالي و غيره ثم ايرادها بتمام الفصاحة و البلاغة دون توقّف في الكلام أو لكنة في اللسان مع الاستشهاد بالاخبار و الآيات الكثيرة المنظمة على السجع و القافية، لكن هذا المسكين يزعم اتصاف نفسه بهذه الاخلاق و الصفات بمجرد حسن قراءته لها، بل لم يرتق هذا المسكين سلم الكمال و حاله كحال العوام من الناس أو دون ذلك، بانغماره في حبّ الدنيا و تعلّقه بجيفتها و نتنها و زخرفها، فلو غفل صاحب المجلس أحيانا عن احترامه و اكرامه و لم يوقره كما يحب و يتوقّع و لم يجلسه في صدر المجلس، لتغير حاله و بدأ بالعتاب و الاعتراض و هو يزعم مع هذا كله انه من اولياء اللّه و أهل الآخرة و داخل في زمرة خدّام سيد الشهداء روحي فداه و يزعم أيضا انّه عار من جميع الرذائل و الخبائث بمجرد بعض محفوظاته المنبرية، و جميع الرذائل و الخبائث في العوام من الناس و المستمعين لمجلسه.
(٢) و لا يخفى على الخبير البصير و العالم بعيوب النفس انّ حال هذا الشخص كحال المصباح الذي يحترق فيضيء للآخرين و هو في زمرة الغاوين كما في قوله تعالى:
فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ [١].
و قوله تعالى:
أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ... [٢].
[١] الشعراء، الآية ٩٤
[٢] الزمر، الآية ٥٦