تعريب منتهى الآمال في تواريخ النبي و الآل - الميلاني، السيد هاشم - الصفحة ٤٠٣ - الحادي و العشرون
(١) و قد ذكر هذا الحديث في العديد من كتب الحديث. و ذكره أيضا الشيخ البهائي و جعله أحد أحاديث أربعينه، و من وصايا أمير المؤمنين عليه السّلام لكميل:
«يا كميل مرّ أهلك أن يروحوا في كسب المكارم و يدلجوا في حاجة من هو نائم فو الذي وسع سمعه الأصوات ما من أحد أودع قلبا سرورا الّا خلق اللّه له من ذلك السرور لطفا فاذا نزلت نازلة جرى إليها كالماء في انحداره حتى يطردها عنه كما تطرد غريبة الابل».
و كان كميل عاملا على بيت المال مدّة من قبله عليه السّلام، و استشهد على يد الحجاج الثقفي.
(٢) روي انّ الحجاج لمّا ولّى العراق طلب كميل بن زياد، فهرب منه، فحرم قومه عطاءهم، فخرج بيده الى الحجاج فلمّا رآه قال: لقد كنت أحبّ أن أجد عليك سبيلا.
فقال له كميل: لا تصرّف عليّ أنيابك و لا تهدّم عليّ فو اللّه ما بقي من عمري الّا مثل كواهل الغبار، و لقد أخبرني أمير المؤمنين عليه السّلام انّك قاتلي، قال: بلى كنت فيمن قتل عثمان بن عفان،
... مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم، و لم يلجئوا الى ركن و ثبق، يا كميل، العلم خير من المال، العلم يحرسك و أنت تحرس المال، و المال تنقصه النفقة، و العلم يزكو على الانفاق، و صنيع المال يزول بزواله، يا كميل بن زياد معرفة العلم دين يدان به، به يكسب الانسان الطاعة في حياته و جميل الاحدوثة بعد وفاته، و العلم حاكم و المال محكوم عليه.
يا كميل هلك خزّان الاموال و هم احياء، و العلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، و أمثالهم في القلوب موجودة، ها انّ هاهنا لعلما جمّا (و أشار بيده الى صدره) لو أصبت له حملة، بلى أصبت لقنا غير مأمون عليه، مستعملا آلة الدين للدنيا، مستظهرا بنعم اللّه على عباده، و بحججه على اوليائه، أو منقادا لحملة الحق، لا بصيرة له في أحنائه، ينقدح الشك في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لا ذا و لا ذاك، أو منهوما باللذة سلسل القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع و الادخار، ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب شيء شبها بهما الانعام السائمة! كذلك يموت العلم بموت حامليه.
اللهم بلى! لا تخلو الارض من قائم للّه بحجة، أما ظاهرا مشهورا و امّا خائفا مغمورا، لئلّا تبطل حجج اللّه و بيّناته، و كم ذا و أين أولئك؟ أولئك- و اللّه- الأقلّون عددا، و الاعظمون عند اللّه قدرا، يحفظ اللّه بهم حججه و بيّناته، حتى يودعها نظراءهم، و يزرعوها في قلوب اشباههم، هجم بهم العلم على حقيقة البصيرة، و باشروا روح اليقين، و استلانوا ما استعوره المترفون، و انسوا بما استوحش منه الجاهلون، و صحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الاعلى.
اولئك خلفاء اللّه في أرضه و الدعاة الى دينه، آه آه شوقا الى رؤيتهم، انصرف يا كميل اذا شئت.