تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٥١٧ - الجانب الدنيوي في التخطيط الثالث
- ٣-
الجانب الثاني: القوانين الوضعية على اختلاف أشكالها و تفاسيرها.
لعل أول قانون وضعي معروف في البشرية، هو شريعة حمورابي التي كتبها على مسلته المعروفة. و المظنون أنه أخذها أو الجانب المهم منها من التوراة أو من بعض أقسامها، كالوصايا العشر و غيرها. و ذلك لوجود نقاط تشابه كثيرة بينهما، كما هو معلوم لمن يراجع المصدرين.
و هذا هو أحد الأشكال أو أقدمها لابتناء القانون الوضعي على الأساس الديني، و قد عرفنا ذلك في القانون الروماني أيضا، و لا أقل من احتماله. و كل ذلك مربوط بفترة التخطيط الثاني السابق.
و أما في فترة التخطيط الثالث، فقد بقيت أوروبا- زعيمة القانون الوضعي- تعيش على القانون الروماني و الحكم الكنسي إلى عصر النهضة الحديثة. و يكاد يكون أول قانون أصدرته أوروبا في فجر عصرها الجديد، هو (لائحة حقوق الانسان و المواطن) الفرنسية، و لا أقل من كونه أهم القوانين الصادرة في تلك الفترة. تبع ذلك قوانين نابليون التي نظم بها فرنسا من جديد.
و بالتدريج تحددت القوانين و تمايزت اتجاهاتها و اختصاصاتها. و أصبح لكل دولة مجموعة من القوانين التي تعالج مختلف ميادين الحياة، و أصبح لها رسوخ و أهمية أكبر من الأشخاص الحاكمين، بخلاف عصر ما قبل النهضة، حين كانت أوروبا محكومة بالحكم الفردي و الديكتاتوري، و كان اشخاص الحاكمين أعلى و أهم من القوانين.
و نستطيع ان نتميز تأثير هذه القوانين في تعميق الفكر البشري، لو قارنا بين الفكر المعاصر، و الفكر الموجود في أول عصر التخطيط الثالث.
إن الاسلام، و ان نزل- نظريا- بقانون شامل لكل جوانب الحياة، إلا ان استيعاب الفكر البشري له لم يكن كما ندركه نحن اليوم. حتى ان معاوية بن أبي سفيان اضطر ان يقتبس تنظيم عدة جوانب من دولته من التنظيمات السائدة في بلاد فارس و الروم [١]. و لم يستطع ذهنه يومئذ ان يفهم ذلك من أطروحته العادلة الكاملة، التي يفترض نفسه في قمة مطبقيها و رعاتها.
[١] انظر فجر الاسلام لأحمد أمين ص ١٨٥ نقلا عن المسعودي.