تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٢ - التمهيد الثاني مناشئ الفكر الماركسي
الدين منحصرا بتعاليم الكنيسة بما فيها من تعصب و ظلم و مشاكل عقائدية و اجتماعية. فالمتدين كان يضطر إلى الرضوخ للكنيسة و الرضاء بواقعها مهما كان. و المتمرد كان يرى ببطلان الكنيسة بطلان الدين كله، و بظلمها و مشاكلها ابتناء الدين كله على المظالم و المشاكل ... باعتبار كون الكنيسة هي الفرد الأمثل للدين، في نظره ...
مع أنه لو كان للشعب الأوروبي درجة كافية من الموضوعية و التجربة في النظر و الفكر، و كان في البلاد الاسلامية الإمكانية الكافية على إبلاغ أفكار الاسلام و مفاهيمه إلى أوروبا كاملة غير منقوصة و صحيحة غير مشوبة ...
لاستطاعت أوروبا منذ أول عهد نضتها أن تقرن تمددها على الكنيسة بالرجوع إلى حقائق الاسلام، و أن تعرف: أن الكنيسة لا تمثل كل الدين، بل و لا شيئا من الدين بالمرة ... و إنما تمثل الجبروت و الظلم و الإثراء غير المشروع باسم الدين و باسم الدعوة الالهية المقدسة. و ليس شيء من ذلك في الاسلام موجودا، مما ييسر لأوروبا الحصول على البديل الصالح عن الكنيسة في الاسلام، لا أن ترتمي في أحضان الالحاد دون وعي.
إذن، فالنقص الأساسي الموجود في المجتمع الأوروبي، هو عدم محاولة استيعاب النظريات المعروفة في العالم بالبحث و التحليل، لعلها تجد في إحداها الحق المفقود و العدل الضائع ... بل و عدم النظرة الموضوعية تجاه أي فكر سوى ما خلقته أوروبا لنفسها من نظريات في تفسير الكون و الحياة.
و حين انعدمت محاولة الاستيعاب، كان من الواضح و الطبيعي، أن لا تصل أوروبا إلى الاسلام، و أن لا تتعرف على مفاهيمه، و أن لا تطلع على مصادره و منابعه ... فتضطر إلى أن تتمسك بأي بديل آخر للكنيسة لمجرد أنه يحتوي على درجة من السعة و الأهمية.
و من ثم لم يكن لماركس و لا لغير ماركس، في ذلك المجتمع أن يحاول استيعاب المصادر البشرية بالبحث و النظر ... و ليس له إلا أن يعيش جو الأنانية الفكرية في تقديس المعطى الأوروبي و رفض غيره من ناحية عاطفية ... من دون أن يكون مستعدا لسماع الدليل و البرهان.
إذن، فمن المحتمل- على أقل تقدير- لو كانت النظرة الموضوعية المستوعبة موجودة في المجتمع الأوروبي ... أن لا توجد النظريات