تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٠ - التمهيد الثاني مناشئ الفكر الماركسي
النقطة الثالثة: ان ماركس استطاع أن يشخص في نفسه و غيره، حقيقتين مقترنتين:
الحقيقة الأولى: اتصافه بالذكاء الكافي و العبقرية التي تؤهله لوضع النظريات الدقيقة، و قيادة الناس على أساسها.
و هذه العبقرية واضحة الثبوت له، بعد أن استطاع أن يستعملها أوسع استعمال. فوضع من الناحية النظرية أطروحة فكرية متناسقة تفسر الكون و الحياة على حد سواء. و استطاع أن يشارك من الناحية العملية في تطبيق هذه النظرية و قيادة الناس على أساسها، بمقدار إمكانياته و ظروفه.
الحقيقة الثانية: فهم ماركس بعبقريته أن قيادة الناس و استقطاب عواطفهم و استغلالها، يكون يسيرا للغاية لو أوجدت لهم نظرية مشتملة على عنصرين أساسيين:
العنصر الأول: كونها مستوعبة استيعابا كافيا للكون و الحياة، و تعطي فهما متكاملا عن ذلك. فإن هذا العنصر مما يجلب الاهتمام و الاحترام لأي نظرية تحتوي عليه.
العنصر الثاني: كونها مبشرة بمستقبل سعيد تزول فيه الآلام و تتحقق فيه الآمال ... يكون هو نتيجة الأعمال و الجهود البشرية ... و خاصة الواعية و الهادفة منها.
فإذا استطاعت النظرية أن: تقول أن: هذا المستقبل ضروري الوجود و ليس محتملا فقط. و استطاعت أن تبرهن على ذلك من نفس تسلسلها الفكري المتناسق ... استطاعت استقطاب أكبر قدر ممكن من العواطف و المؤيدين.
و قد استطاع ماركس أن يجمع بين هاتين الحقيقتين حين رأى من نفسه قابلية القيادة و لذتها، فوضع نظريته المنسجمة عن الكون و الحياة، و استطاع أن يمزجها بالتنبؤ بالمستقبل السعيد، لكي يستقطب أكبر مقدار من العواطف و يجعل لأتباعه و مؤيديه هدفا يسعون إليه و يعملون من أجله.
و لا زال العنصران الأساسيان في الحقيقة الثانية هما مثار الاحترام للنظرية الماركسية عند كثير من الناس، بل القناعة و الاندفاع عند عدد لا يستهان به منهم. و لا شك أنهما يدلان- على أي حال- على عبقرية واسعة، لو لا الفجوات التي يمكن أن نجدها في النظرية و في التطبيق معا،