تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤١٧ - الأسس الخاصة
و من الواضح، كما قلنا في الأجزاء السابقة لهذا الكتاب [١] ان تربية المجتمعات و من ثم البشرية بمجموعها، لا يمكن أن تكون بين عشية و ضحاها، و لا في حفنة من السنين، بل تحتاج إلى أمد متطاول، و تجارب قاسية و جهد متواصل.
فالفرد لا يكون رشيدا و كاملا، إلا بعد مجموعة من السنين و تعلم طويل و تجارب مريرة. فإن أريد منه أن يكون فردا نموذجيا، احتاج إلى زمن أطول و تجارب أقسى. فكيف بالهدف البشري الذي يعد فيه الأفراد بالملايين على مختلف المستويات و العقليات و الثقافات، و يراد- مع ذلك- إيجاد مستوى أعلى من المستوى الفردي و الاجتماعي الموجود في أي منها. فأي مقدار من السنين، و أي تجارب قاسية و أي جهود مضنية يجب أن تمر بها البشرية لتصل إلى ذلك الهدف، و أي مقدار من التضحيات يجب إن تقدم في سبيل ذلك؟.
و التربية تتكون من عنصرين أساسيين:
العنصر الأول: معرفة الفرد بالأسلوب الصحيح للسلوك. كل بحسب وجهة نظره، و ينبغي لنا أن نقصد بالأسلوب الصحيح ما كان منسجما مع التخطيطين العامين و أهدافهما.
العنصر الثاني: تطبيق تلك المعرفة في عالم الحياة. فإن المعرفة وحدها غير كافية في الانسجام مع الهدف الأعلى، بل لا بد أن يوجد للفرد درجة كافية من الاخلاص و قوة الارادة، بحيث يهتم بتطبيق تلك المعرفة على سلوكه، و تقديمها على سائر الدوافع و المقتضيات.
و نحن إذا نظرنا من ناحية بشرية عامة، وجدنا أن الخالق القدير الذي استهدف فيها تلك الأهداف، و فر لها كلا هذين العنصرين. اما توفير المعرفة فيتمثل بالعقل أولا، و بالنبوات ثانيا، و أما توفير قوة الارادة و الاخلاص، فيتمثل في جو التجارب القاسي الذي تمر به البشرية، ليجعلها في نهاية المطاف، مهتمة اهتماما واقعيا و عميقا بالتطبيق الصحيح الكامل. و سندخل في تطبيق ذلك بعد قليل.
و من هنا عرفنا إجمالا: أهمية التشريع و أهمية النبوات، و أهمية التجارب في
[١] انظر: تاريخ ما بعد الظهور: الفصل الأول من الباب الأول من القسم الأول.
٢٧