تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢١٧ - النظام الحرفي و المانيوفاكتوري
أكثر فأكثر، أن يصبحوا معلمين حرفيين. و اتخذت المنظمات الحرفية فوق هذا، تدابير أخرى ترمي إلى منع كل الأساليب الجديدة من أن تدخل في الانتاج، و إلى محاربة المنتوجات المستوردة. فكان من جرّاء ذلك ان نشب النضال بين المنظمات الحرفية و بين التجار» [١].
- ٢- «و إليك الآن كيف ولدت المانيفاكتورة الرأسمالية. لقد كان النول الصغير محتكرا في المدن بيد المنظمات الحرفية. فلهذا أخذ الرأسمال التجاري، الذي كان من مصلحته تطوير الانتاج، يوسع دائرة نشاطه إلى ما وراء المدن. فعزز تطور الانتاج الحرفي في الريف و خصوصا إنتاج النسيج، فكان من جرّاء ذلك، أن وقع «الحرفي» البعيد عن السوق تحت تبعية المتعهد الرأسمالي. و قد اتخذت هذه التبعية بالترتيب الأشكال التالية:
فالحرفي في أول الأمر، يبيع منتجاته بأسعار رخيصة. ثم يتلقى من المتعهد نقودا و مواد أولية على سبيل القرض، فيصبح عاملا يشتغل بصنع المواد الأولية التي تخص المتعهد بعدئذ مقدما من عنده آليته الخاصة لا غير، و رابحا بعد جهد ما يكاد يقوم بأوده.
و يأخذ المتعهد بعد هذا، بتكتيل الحرفيين المبعثرين في بناء واحد، حيث يعملون منذئذ كعمال مأجورين محرومين من كل وسيلة إنتاج.
و عندئذ يصبح الرأسمال التجاري رأسمالا صناعيا، و يظهر إلى جانب الانتاج السلعي الصغير الانتاج الرأسمالي الكبير: أي المانيوفاكتورة» [٢].
و إن أفضل وصف و تقييم ماركسي للتنظيم المانيوفاكتوري، نجده على لسان كارل ماركس نفسه في كتابه «رأس المال».
فقد حلّلها تحليلا اقتصاديا، فهي من هذه الناحية أولى مراحل «المادية التاريخية» التي تحاول الماركسية تقييمها من الناحية الاقتصادية. و لعل عذرها في ذلك: ان عصر الرق و الاقطاع، و إن كانت عصورا «اقتصادية» و لكنها من البساطة و البدائية بحيث تكون مدركة للنظارة بدون تحليل. و إنما ينبغي أن يبدأ التحليل من حيث يبدأ التعقيد. و أول و أبسط أشكال التعقيد الاقتصادي- لو صح التعبير- هو الانتاج المانيوفاكتوري. و من هنا استحق إعطاءه تحليله الاقتصادي الكافي.
و مهما تكن صحة هذا العذر، فقد اعتبرت الماركسية النظام المانيوفاكتوري نظاما رأسماليا، نتج من الوجود الحرفي في المجتمع و انتج- بدوره- التراكم الأولي لرأس المال.
[١] نظرات علمية في الاقتصاد السياسي: سيغال ص ٣٠.
[٢] المصدر ص ٣٢.