تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٦٢ - نقد التكوين العام للمادية التاريخية
بهذه العهود الخمسة، و ان اختلفت في التفاصيل.
و حيث أن الوجه الأول، هو المطابق للنظرية الماركسية الأصلية، و للتأكيدات في كلمات الماركسيين على التطور الضروري للمجتمع، و الخارج عن وعي الناس و إدراكهم. فإذا وجدنا بعض البلدان تختلف عن البعض الآخر، أو تتخلف عن بعض العهود- كما سنسمع بعد ذلك- إذن نعرف أن الماركسية قد فشلت في تفسير التاريخ، كما تريده من العمومية و الشمول.
النقطة الثانية: ان نظر الماركسية مركّز باستمرار نحو أوروبا، أوروبا فقط، انطلاقا من اللاشعور الاوروبي القائل: بأن الانسان هو الانسان الأوروبي و غيره هباء في شبك. إذن فلا ينبغي أن يعتني بماضي الناس أو حاضرهم أو مستقبلهم إلا إذا كانوا أوروبيين، أو يعود عليهم بالفائدة.
و لا ينبغي أن ننسى كلمة لينين التي سمعناها قبل قليل: ان هذه النظرية لا تعطي سوى موضوعات توجيهية عامة، تطبّق مثلا في بريطانيا على غير ما تطبّق في فرنسا، و في فرنسا على غير ما تطبّق في ألمانيا، و في ألمانيا على غير ما تطبّق في روسيا. و هذه الدول كلها أوروبية.
و لا زلنا نذكر أحلام انجلز و ماركس التي حامت حول تطبيق الشيوعية في انكلترا و المانيا قبل روسيا، و قد فشل هذا الحلم، و كذّبه الواقع. و هذه كلها دول أوروبية أيضا. ان تفكير الرجل الاوروبي بما فيهم لينين و انجلز و ماركس، يدور في بوتقة أوروبية مغلقة، و لا يخطر في ذهنه إلا أسماء الدول الأوروبية، كأنها الوحيدة الوجود في العالم.
إذا التفتنا إلى ذلك، فقد يكون صحيحا أن ندّعي أن أوروبا مرت فعلا بهذه العهود الخمسة، على أن يكون هذا الحكم غالبا غير مستوعب، و مهملا من التفلسف و ذكر الأسباب، و يبقى مع ذلك، قابلا للمناقشة، على ما سيأتي.
إلا أننا لو نظرنا إلى خارج أوروبا، فقد نجد التاريخ يسير على خلاف ما سار في أوروبا، و بالتالي على خلاف ما تريده المادية التاريخية.
فالشرق الأوسط عموما لم يمر بعهد إقطاعي مشابه لأوروبا، و ان كانت هناك ملكيات للأرض غير قليلة ... إلا أنها لا تبلغ إلا نسبة ضئيلة مما كان