تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٦٤١ - الأساس الأول الأساس القرآني
المعصوم الذي برهنا على وجوده. و ذلك انطلاقا من أحد مستويين.
المستوى الأول: لنتذكر ما قلناه من (الصبغة العامة) للمجتمع. فلئن فرضنا- جدلا- أن التربية المركزة و المستمرة في الدولة العالمية عاجزة عن صهر كل الأفراد في العالم في بوتقة الحق و العدل. فلا أقل من إنجازها ذلك بالنسبة إلى غالب الناس بحيث يبقى أفراد أو مجتمعات قليلة غير ملفتة للنظر، تحتوي على الفكر و الانحراف و العداوات.
و مع افتراض دلالة هاتين الآيتين على بقاء اليهود و النصارى إلى يوم القيامة، بعد التنزل عن الوجهين السابقين ... لا بد من الالتزام ببقائهم على نطاق ضيق جدا، لا ينافي وجود الصبغة العامة في البشر إلى جانب الحق و العدل ... و بالتالي إلى جانب الاتصاف بالعصمة.
المستوى الثاني: انه يمكن أن نطرح (أطروحة) محتملة موافقة لبعض ظواهر الكتاب و السنة، و إن كانت مخالفة لظواهر أخرى على ما سنرى.
و مضمونها: عدم المنافاة بين وجود اليهود و النصارى بالخصوص [١] و بين وجود المجتمع المعصوم، بمعنى أنهم يكونون معصومين مع التزامهم بأديانهم أنفسها كما أن المسلمين سيصبحون معصومين بصفتهم مسلمين.
و يدل على ذلك من القرآن الكريم قوله تعالى:
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ، وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ... [٢].
و قوله تعالى:
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَ الرَّبَّانِيُّونَ وَ الْأَحْبارُ ... وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ... وَ لْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ. وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [٣].
و قوله تعالى:
وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ، لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ [٤].
[١] أعني أن هذه الأطروحة تخصهم، و لا تشمل سواهم.
[٢] المائدة:/ ٦٨.
[٣] المائدة:/ ٤٤ و ٤٧.
[٤] المائدة:/ ٦٦.