تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٦٦ - التخطيط الثاني المنتج للمستوى الفكري العالي
الكلام مع إسقاط ما قام الدليل على كذبه، و لا يكون هذا مضرا بصدق البعض الآخر.
الوجه الثاني: ان التنبوء صدر فعلا من أشعيا و غيره على هذا الشكل الموجود في التوراة، أي التنبوء بانتصار الحق على يد بني إسرائيل. إلا ان هذا إنما كان باعتبار أن الممثل الأفضل للحق في ذلك الحين كانوا هم و من كان كان على دينهم، ما دامت الشريعة الموسوية سارية المفعول. و قد كانت في زمان أشعيا و أرمياء سارية المفعول حتى نسخت بنبوة المسيح (عليه السلام).
إذن، نفهم من ذلك: ان انتصار الحق يكون على أيدي أمنائه دائما، و لئن كان أمناؤه في ذلك العصر هم بنو إسرائيل، فإن أمناءه في المستقبل سوف يكونون غيرهم، بعد أن سقط هؤلاء في حضيض المعاصي و الانحراف.
بقي لدينا احتمال: أن يكون أشعيا و دانيال و طبقتهما من الأنبياء المتأخرين عن الفتح البابلي، قد اتجهوا إلى هذه التنبوءات نتيجة للظروف الصعبة و الهزيمة التي مرت باليهود خلال سبيهم و ما بعده. و هذا ما احتمله بعض الكتّاب المحدثين [١].
فهذا قابل للمناقشة من وجهين:
الوجه الأول: وجود هذه التنبوءات قبل السبي البابلي بمدة، على لسان داود و سليمان بشكل واضح، و على ألسنة من سبقهما بشكل غامض، و معه لا معنى لربط هذه النبوءة بالسبي البابلي.
الوجه الثاني: اننا نسأل هذا الكاتب عن اعتقاده بأن هذه التنبوءات حقا أو باطلا، بمعنى أنها هل هي مطابقة للواقع و لو بأساسها- بعد إسقاط التفاصيل- أو انها مجرد أضاليل!! ...
فان قال: انها حق. و إنما اقتضت المصلحة إظهار هذه النبوءة لرفع معنويات اليهود بعد انهزامهم و سبيهم، و خاصة بعد الالتفات إلى أن المستوى الذهني البشري إنما وصل إلى تفهم هذه النبوءة بوضوح في ذلك العصر، ان قال ذلك، فهذا حق، و هو أقرب التفسيرات للتركيز على هذه النبوءة خلال ذلك العصر بالخصوص.
و ان قال: ان هذه النبوءة باطلة و مجرد تضليل، فهذا في واقعه: أولا: طعن بهؤلاء الأنبياء الذين اعترف الاسلام بكونهم كانوا صادقين و مواكبين للحق: و هو
[١] انظر: قصة الديانات لسليمان مظهر ص ٣٥٩.