تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٦٢ - التخطيط الثاني المنتج للمستوى الفكري العالي
فبينما كان الأنبياء السابقون محكومين، من الناحية العملية، لملوك و أمراء آخرين، قد يكونون من أشد الناس كفرا و ظلما ... و لم يحاول نبي سابق أن يسيطر على الحكم، و ان حاول إبراهيم (عليه السلام) ان يدخل الحاكم في عصره في دائرة الايمان، و هذا معنى آخر غير السيطرة على الحكم.
أما موسى (عليه السلام) فقد قام أولا، بمثل مهمة إبراهيم (عليه السلام)، حيث طلب من حاكم عصره (فرعون) الدخول في دائرة الايمان. و لكنه في عصر لا حق، و بعد أن استتب له الأمر بعد عبور البحر، أصبح هو الرئيس المطلق و الحاكم الأول في قومه. و لم يكن معنى الدولة في ذلك الحين أكثر من ذلك.
و قد قام موسى (عليه السلام) بتطبيق شريعته على المجتمع من النواحي الاقتصادية و الجزائية و العبادية و غيرها. فقد اقترن فيه جانبا التشريع و التطبيق معا.
بخلاف من بعده من الأنبياء فقد ساروا طبقا لروحه الايمانية و التشريعية، و التزموا جانب التطبيق فحسب، بما فيه الغزو في سبيل الدعوة الالهية.
و لكن من الملحوظ [١] أن التركيز على الثواب و العقاب الأخرويين، لا زال قليلا، و إنما قام الأنبياء المتأخرون الذين حاولوا تعميق الفهم الموسوي، قاموا بابراز هذا الجانب.
و أهم هؤلاء داود و سليمان (عليهما السلام).
فاننا في الوقت الذي نرى ان يوشع بن نون بقي محافظا على نفس المستوى في أعماله، حاول ذانك النبيان بتعميق الأمور الخمسة المشار إليها، و تطبيقها تطبيقا كاملا. فقد أسسا دولة متكاملة، و مارسا الفتح و مقارعة المنحرفين و تطبيق الشريعة الموسوية بكل جهاتها بكل دقة. و بنى سليمان (عليه السلام) بيتا مهما ضخما للعبادة يسمى ب (هيكل سليمان) دعما للعقيدة الالهية، و هو- فيما نعرف- ثاني معبد مهم في البشرية بعد بيت اللّه الحرام الذي باشر ابراهيم (عليه السلام) بناءه ... غير انه لم يقدر له الدوام بكامل هيبته، بعد أن هدمه نبوخذنصر خلال استئصاله لليهود و سبيه لهم.
و نرى أن المفهوم الالهي و التركيز على الطاعة أصبح في لسان سليمان في خطابه الذي ألقاه يوم افتتاح هذا المعبد، كما نقلته التوراة [٢]، أصبح أوضح و أكثر تفصيلا عما كان عليه في العصر الموسوي.
[١] كما دلت عليه التوراة المتداولة، و لم يدل القرآن الكريم على خلافه.
[٢] انظر الملوك الأول ٨/ ١٣- ٥٤.