تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٥٠ - التخطيط الثاني المنتج للمستوى الفكري العالي
- ٤- المرحلة الأولى: مرحلة النبوات العقائدية:
إن المستوى الفكري الأول الذي وصلت إليه البشرية، باعتباره بسيطا و ساذجا، لم يكن مناسبا- بأي حال- مع فهم القانون؛ بمعنى إطاعة الفرد للتشريع أو الأمر و النهي المتوجه إليه، فضلا عن أن يستطيع القانون أن يضبط الجوانب المهمة من حياة الفرد أو حياته كلها.
و من هنا كان من المتعذر على النبوات، و هي الأسلوب الأساسي لتربية البشرية أن تبدأ بإعلان التشريعات، و إنما بدأت- بطبيعة الحال- بالتزريق التدريجي لأمرين مهمين:
الأمر الأول: بث الروح العقائدية بمعنى إعطاء صورة محددة، بالرغم من اختصارها و سذاجتها عن وجود خالق الكون و أفعاله المهمة في الكون و إمكان مخاطبته للبشر عن طريق الأنبياء و المرسلين.
و لا شك ان هذا المستوى، كان يتعمق بالتدريج، فكلما فهم الناس من الأنبياء الأوائل معطياتهم جاء الأنبياء المتأخرون، بمستوى أعمق بقليل ... حتى انتهت هذه الفترة.
الأمر الثاني: بث الروح الأخلاقية، بالدرجة البسيطة المناسبة ... حيث كان يحاول رفع الاختلافات ببث مفاهيم الأخوة و المجاملة مع الآخرين من ناحية، و تعويد الناس على إطاعة كبرائهم و موجهيهم من ناحية أخرى. و بذلك وجدت النواة الأولى لفهم التشريع، الذي ساعد على الدخول في مرحلة النبوات الثانية.
و قد ساعد بث هذين الأمرين على السير قدما في إنجاح التخطيط و رفع مستوى البشرية عموما، بما فيهم المؤمنين بهذه النبوات و المنكرين لها. فإن مجرد الالتفات إلى هذه المعاني و الجدل حولها يكفي في رفع الوعي، و أما الايمان بها، فهو يعني الانسجام العاطفي مع الأهداف الايمانية العليا، مضافا إلى ارتفاع مستوى الوعي.
و هذا معنى ما أكدنا عليه في (تاريخ الغيبة الكبرى) من أن الفرد يسير في التخطيط- من حيث لا يعلم- سواء كان منسجما معه عاطفيا أو متنافرا معه. و قد برهنا على ذلك في مقدمات هذا البحث.
- ٥- و لنا أن نتساءل عما إذا كان بين حصول صفة الوعي و التفكير و بين إرسال