تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٤٩ - التخطيط الثاني المنتج للمستوى الفكري العالي
الفكر بدرجته البدائية.
الأمر الثاني: ان هذه الخصائص الجديدة، و بخاصة المستوى الفكري اللائق، مع ما انتجته من الاضطرابات و الحروب، قد جعلت الحياة جحيما لا يطاق، أو كادت فأصبحت- كما نطقت به الآية الكريمة- مثارا لضرورة إرسال الأنبياء لهداية الناس و رفع اختلافاتهم و زرع روح الأخوة بينهم. فكان لهذا العنصر المهم الأثر الكبير في إنجاح هذا التخطيط الثاني، و لا يكفي الآن- كما كان في التخطيط الأول- إيكال المجتمع إلى تجاربه الحياتية الخاصة لينتج التخطيط الثاني نتيجته [١].
- ٣- و حيث ان التربية يجب ان تبدأ بالواقع، و تحاول الارتفاع به إلى المستوى المطلوب و لا يمكنها أن تبدأ من نقطة أعلى من الواقع، و إلا كانت فاشلة تماما، كما لو ان طفلا صغيرا بدلا من ان تعلمه اللغة بدأت تعلمه الكتابة، أو أن طفلا أكبر منه، بدلا من أن تعلمه الكتابة بدأت تعلمه الجبر أو الفيزياء، انك ستبوء بالفشل الذريع لا محالة.
و من هنا كانت النبوات تبدأ من الواقع و تحاول رفعه، و لهذا لا تحاول- بادئ ذي بدء- أن تعطي مضمونا أكبر منه. و من هنا انقسمت النبوات إلى أربع مراحل:
أولا: مرحلة النبوات العقائدية أو المفهومية.
ثانيا: مرحلة النبوات التشريعية.
ثالثا: مرحلة النبوات القبلية.
رابعا: مرحلة النبوات العالمية.
و سنتحدث عن كل مرحلة على حدة، فنعرف- ضمنا- مستوى البشرية فيها، و المستوى الذي استطاعت الوصول إليه، و المستوى الذي أصبحت فيه نتيجة لمجموع النبوات.
[١] لأن نتيجته ليست إلا إيجاد المستوى الفكري اللائق لفهم الأطروحة العادلة الكاملة، و الفكر البشري المجرد عن التوجيه لا يمكنه أن يصل إلى ذلك المستوى.
أولا: لأن إدراكه للحقائق على المستويين القانوني و التاريخي مشوب بسيطرة العاطفة و المصلحة الخاصة. على طول الخط.
ثانيا: لأن هذا الادراك قد يمنى بنكسات مهمة نتيجة لحروب عامة أو الأوبئة التي قد تستأصل مجتمعا أو مجتمعات.