تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٤ - التمهيد الثاني مناشئ الفكر الماركسي
و هي ظروف الظلم و الانحراف، حيث يكون الاتجاه العام للعالم هو ذلك، و يكون الايمان استثناء و شذوذا، فيحتاج الالتزام به و السير على طبقه في الحياة إلى المرور بمصاعب و تضحيات، قد تكبر و قد تصغر تبعا لظروف الفرد المؤمن و حاجاته العامة و الخاصة. بينما لا يحتاج الظلم و الانحراف، إلى أية كلفة، لأنه موافق للاتجاه العام و المصلحة الخاصة، في كثير من الأحيان.
و إذ يكون الأفراد العاديون من البشر، و هم كثرتهم الكاثرة، لا يملكون قوة في الارادة و استعدادا للتضحية في سبيل الايمان و العدل، فسوف يكون سلوكهم مطابقا للاتجاه الأسهل لهم، و هو اتجاه الظلم و الانحراف. و يوجد إلى جنب هذه الكثرة خلاصة بشرية قليلة في العدد كبيرة في الارادة و الاخلاص و الاستعداد للتضحية، تجاه الحق و العدل ...
فهؤلاء هم الذين يكون التمحيص سببا في زيادة تمسكهم بالايمان و اندفاعهم في طريقه.
... و هؤلاء هم النخبة الصالحة التي يكون على عاتقها شرف القيادة لايجاد اليوم الموعود السعيد للبشرية. ذلك اليوم الذي وجدت البشرية وضحت الأجيال و كرست الجهود من أجله على طول الخط التاريخي الطويل.
و قد برهنا أن البشرية ما لم تمر بظروف من الظلم و التمحيص هذه، و ما لم تحصل نخبة ممحصة الايمان قوية الإرادة من البشر، لم يكن بالامكان أن يحصل لها اليوم الموعود مهما طال الزمن. و حيث أن هذا اليوم الموعود السعيد قطعي الحدوث، لكونه الهدف الأعلى من وجود البشرية، إذن تكون أسبابه و مقدماته قطعية الحدوث أيضا. و حيث أحرزنا بالبرهان أيضا أن ظروف الظلم و التمحيص من مقدماته أيضا، كانت هذه الظروف قطعية الحدوث أيضا.
حتى ما إذا تمخض التمحيص عن درجة عليا معينة من الايمان، و الاخلاص و قوة الارادة في نفوس عدد كاف من المؤمنين لفتح العالم بالعدل ... استحقت البشرية يومئذ أن تحظى بشرف تطبيق العدل المطلق على وجه الأرض.
فهذا ملخص مما ينبغي أن نعرفه الآن ... و سيأتي تفصيل ذلك في القسم الثالث من هذا الكتاب.