تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٤٢٦ - فكرة إجمالية عن التفاصيل
وَ ما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا ... الآية [١].
و قد فهم منها سيدنا الأستاذ السيد الصدر:
«بأن المجتمع البشري مر بمرحلة فطرة و غريزة، قبل أن يصل إلى المرحلة التي يسود فيها العقل و التأمل» [٢].
و هذا الفهم يعني اننا نستفيد من هاتين الآيتين الكريمتين هذا المفهوم: و هو ان المجتمع البشري كان في أول وجوده لا يزيد في مميزاته و صفاته عن مجتمع الحيوان، ثم بدأ- طبقا لتخطيط التكامل- يتفتح على الفهم و التفكير.
و كان خلال عصره الفطري فاقدا للاختلاف في المصالح و الاختلاف في العقيدة. أما عدم الاختلاف في العقيدة و التشريع فلعدم وجود المستوى الذهني الكافي لفهم ذلك، أو إذا كان عندهم عقيدة بسيطة، فليس لهم المستوى الكافي لفلسفتها و مناقشتها، فهم جميعا يتسالمون على صحتها.
و أما عدم الاختلاف في المصالح، ذاك الاختلاف المؤدي إلى النزاعات و الحروب؛ فلعدم وجود المستوى الذهني الكافي للتركيز على هذه الجهات. و هذا لا ينافي وجود نزاعات بسيطة بين الأفراد، كما توجد بين الحيوان.
و بمجرد ان وجد المستوى الكافي للتفكير، وجد النزاع بينهم بطبيعة الحال. و هذا هو المستفاد من قوله عز و جل: فاختلفوا ... أي ان الاختلاف وجد بعد انتهاء عصر القصور الذهني.
و حين وجد النزاع و الاختلاف في البشر، كان مقتضى التخطيط العام لتكاملهم، ان يعرفوا التشريع الكافي لحل هذه المنازعات و العقيدة الكافية لزرع الاخوة فيما بينهم. و بذلك بعثت الأنبياء و أرسلت الرسل.
و هذا الفهم هو أقرب المعاني المحتملة إلى هاتين الآيتين، بلا شك، و أقربها إلى التصورات الاعتيادية عن الحياة و المجتمع البشري. و من الواضح ان بعض القرآن يكون قرينة على فهم البعض الآخر؛ و أمر يؤمن به كل مؤمن بالقرآن الكريم.
و هذا الفهم لا يتضمن ان أصل الانسان من الحيوان، أو انه وجد ناجزا بطريقة إبداعية، و من هنا لا ينافي ظواهر القرآن الأخرى، من هذه الجهة.
[١] يونس: ١٠/ ١٩.
[٢] اقتصادنا: محمد باقر الصدر ج ٢ ص ٣٥٩.