تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٩ - التمهيد الثاني مناشئ الفكر الماركسي
بإمكان- بل بضرورة- تحوله إلى وضع مريح و سعيد ... و العمل الجاد في سبيل ذلك بتنظيم الأمميات و الأحزاب الاشتراكية، من أجل نقل المجتمع الأوروبي من وضعه المجحف إلى الوضع الأفضل الذي بشرت به المادية التاريخية.
... بل أصبح التعميم من الوضع الأوروبي، و صفات المجتمع الأوروبي إلى كل البشرية و التاريخ البشري، ممكنا في نظر الماركسيين ...
لأن أوروبا هي المثال الأفضل الذي يتركز به الوجود البشري و التاريخ البشري كله!!!.
و من هنا أيضا لا نرى أي اهتمام حقيقي في كلام الماركسيين بسائر مناطق العالم، حتى روسيا القيصرية، قبل أن ينبثق فيها الأمل بتحولها إلى الاشتراكية. فضلا عن بلدان آسيا و افريقيا و أمريكا بوضعها الموجود خلال القرن التاسع عشر الميلادي.
و لو وزعت الماركسية نظراتها بانتظام، على مناطق العالم، في توزيع مراحل المادية التاريخية ... لوجدت في ذلك صعوبات جمة، لمدى الاختلاف التاريخي الكبير الذي عاشته أوروبا عن سائر مناطق العالم ... بما فيه روسيا القيصرية نفسها، كما اتضح بعد ذلك العصر بقليل.
فإنه بالرغم من أن أمل ماركس و انجلز، كان منعقدا على تحوّل فرنسا و انكلترا إلى الاشتراكية بعد أن مرت بالفترة الرأسمالية ... و عدم تحول الاقطاع الروسي القيصري إلى الاشتراكية، لضرورة مروره بالفترة الرأسمالية طبقا لمفاهيم المادية التاريخية. بالرغم من ذلك وجدنا روسيا تنقلب إلى الاشتراكية بعد الاقطاع مباشرة، و ان الرأسمالية تبقى إلى أمد غير محدود في فرنسا و إنكلترا و اضرابهما ... على خلاف نبوءة الماركسيين و قواعد المادية التاريخية!!!.
و من الطريف أن الجيش البلشفي (الماركسي) نفسه بقيادة (لينين) هو الذي استطاع خرق هذه الضرورة التاريخية، و الاستغناء عن الوضع الرأسمالي في روسيا و الطفرة بها من الاقطاع إلى الاشتراكية ... و لعل قيامه بهذه المعجزة مستند إلى إيمانه العميق بهذه النظرية المقدسة!!! ...
و سيأتي في داخل الكتاب بحث كل هذه الأمور مفصلا ...