تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٣٨ - التمهيد الثاني مناشئ الفكر الماركسي
كما انعكس هذا الانطباع في ذهن داروين و آخرين، على شكل تعميم آخر، و ان عالم الحيوان كله قائم على الصراع، و ان البقاء يكون للأقوى أو الأصلح ...
بل زاد الانطباع على ذلك في ذهن الماركسيين ... فاعتبروا الكون كله قائما على الصراع أيضا، ليس بين الأشياء المتعددة فحسب، بل حتى بين الشيء و ذاته أيضا. فكل شيء يحتوي على عناصر هدمه و فنائه، و هو في صراع دائم معها. حتى يكون لتلك العناصر النجاح في إفناء الشيء ...
لكي يوجد في نهاية المطاف شيء جديد ... ليبدأ الصراع الجوهري في ذاته من جديد.
و اعتبرت الصراع بين النقائض قانونا كونيا عاما، لا يمكن أن يتخلف ... و أنه هو السبب الرئيسي لوجود أي ظاهرة أو حركة في الكون أو على صعيد المجتمع الانساني.
فهذا التعميم الذي قالته الماركسية ... ان هو إلا انطباع نفسي يمثل ما كان يعيشه المفكرون الماركسيون من صراع و خلافات اجتماعية، و ما كانت تحدثه هذه الصراعات من ردود فعل اقتصادية و سياسية و نفسية مؤثرة في وضعهم الشخصي و مصالحهم الخاصة. فحين اكتووا بنار الخلافات العامة و تضرروا من نتائجها ... لم يستطيعوا أن يتحرروا من ضغط مفعولها الذهني ... لكي يتصوروا الكون و المجتمع منسجما خاليا من الصراع و النزاع.
النقطة الثانية: إن أوروبا عاشت في عصر النهضة و ما قبلها: عصري الاقطاع و الرأسمالية، بشكل مركّز و واضح ... كما هو الحال في إنكلترا و فرنسا على الخصوص، و ألمانيا و إيطاليا و بعض أوروبا الوسطى على العموم.
و حيث كانت أوروبا دون كل مناطق العالم الأخرى، تستقطب اهتمام الفرد الأوروبي عادة- بما فيهم ماركس و انجلز نفسيهما-، من النواحي الاقتصادية و الاجتماعية و النفسية ... فقد أصبح هذا الوضع الأوروبي هو المثال الأفضل لأهم مراحل نظرية المادية التاريخية التي وضعها ماركس و انجلز ... و الميدان الرئيسي للتركيز عليه كوضع ظالم و مجحف، و التبشير