تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢٤٠ - المناقشة
التجريدية الماركسية، يحسن أن نستعرض المهم منها فيما يلى:
الظاهرة الأولى: إن وجود الرأسمالية لأول مرة، لم يكن مستندا بشكل كامل إلى المانيوفاكتورات، كما يقول التجريد الماركسي، بل هناك أمور أخرى و طبقات غيرها ساعدت على ذلك أيضا.
قال ستالين:
«و هناك إلى جانب الملكية الخاصة لأدوات الانتاج، ملكية الفلاح و الحرفي الخاصة لأدوات الانتاج بعد أن حرّروا من القنانة. فقد كانت هذه الملكية المؤسسة على العمل الشخصي منتشرة انتشارا واسعا في بادئ الأمر. و حلّت الفبارك و المعامل العظيمة المجهزة بالآلات محل ورشات الحرفيين و المانيوفاكتورات» [١].
و كل هذه الأمور التي عدّدها ستالين، كان لها قسط من المشاركة في زوال الاقطاع.
الظاهرة الثانية: ان التجريد الماركسي يميل إلى القول: بأن الرأسمالية الصغيرة التي وجدت على اطلال الاقطاع، كالمانيو فاكتورات، قد تحوّلت إلى رأسماليات واسعة نتيجة لتطور وسائل الانتاج.
و بذلك يكون التجريد الماركسي قد أهمل عنصرا مهما، هو ظرف التقدم العلمي و الفكري الذي مرت به أوروبا، و هو الذي أوجد المعامل العظيمة و المصانع الكبرى، و اكتشف الكهرباء و الذرة و القوة الالكترونية ... و لو لا هذا الفكر العملي لبقيت المانيوفاكتورات الحرفية على حالها إلى العصر الحاضر.
و هذا التطور الفكري لا يتعين مرور كل المجتمعات به، بل من المظنون جدا، ان أغلب المجتمعات لا تتمكن من المرور به؛ إذن، فشكل حدوث الرأسمالية و تطورها في أوروبا سوف يختلف اختلافا جوهريا ضخما عن سائر المجتمعات، خلافا للتجريد الماركسي التقليدي.
الظاهرة الثالثة: ان التجريد الماركسي يميل إلى اقتران الاستعمار بالرأسمالية على طول الخط، فهل هذا صحيح؟ ...
إن الاستعمار وجد في أوروبا قبل حصول الرأسمالية بعدة قرون، متمثلا بالحروب الصليبية، التي وجدت إبان عصر الاقطاع، و التي غزت بها أوروبا الشرق الاسلامي بكل ثقلها.
[١] المادية الديالكتيكية لستالين ص ٥١.