تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢١٥ - مناقشة المجتمع الاقطاعي
بل هو لم يوجد في غير أوروبا، بكل تأكيد، و أبسط دليل على ذلك: انه لو كان قد وجد لذكرته الماركسية كدليل على نظريتها. و ها نحن نعيش في الشرق الأوسط، فلا نجد خلال الحقب الطويلة لتاريخه، ما يماثل الاقطاع الاوروبي، و لا تشكل ملكيات الأراضي التي حدثت فيه إلا جزءا ضئيلا بالنسبة إلى ذلك الاقطاع، و ما يتصف به من سعة و أهمية.
ثانيا: إن هذا الدين الذي يدعم الاقطاع، هو الايديولوجية الكنسية الموجودة في أوروبا. و ليس من الصحيح الزعم: ان اتجاهات دينية أخرى سوف تتورط بنفس الخطأ حين تجابه نفس الظروف كالاسلام و اليهودية و البوذية.
ثالثا: إن سبب تولد البرجوازية الأوروبية التي أجهزت على الاقطاع ليس بالضرورة ينبغي أن يتكرر في البلدان الأخرى ... بعد الالتفات إلى النهضة العقلية و العلمية التي قادتها هذه البرجوازية، و قويت على أساسها في أوروبا، مما يبعد جدا توفره في أي بلد آخر، و لم يحدث- تاريخيا- في أي منطقة أخرى إلى حد الآن. و لو لا بوادر تلك النهضة، لكان في الامكان استمرار حكم الاقطاع و الكنيسة على أوروبا إلى الوقت الحاضر.
- ٤- إن التجريد الماركسي بشكله الكامل، يقتضي أن يكون المجتمع الاقطاعي منقسما إلى طبقتين: قلة متحكمة مالكة للأراضي، و كثرة ساحقة من الفلاحين أو الأقنان.
إلا أن هذه الصورة، كانت شاحبة في مجتمع الرق، أصبحت أكثر شحوبا في المجتمع الاقطاعي. إن طبقات كثيرة أخرى موجودة فعلا في أوروبا غير هاتين الطبقتين، و لا يمكن لأحد أن ينكر أثرها في المجتمع.
إن بعض الطبقات أرجعتها الماركسية إلى مصالح الاقطاع نفسه، و إن لم تكن من الاقطاعيين حقيقة كطبقة الحكام السياسيين للمجتمع، و كطبقة رجال الدين الكنسيين. و بعض الطبقات لم تستطع الماركسية بأي حال إرجاعها إلى ذلك بالرغم من أنها تشكل كثرة كاثرة في المجتمع، ككبار التجار و صغارهم و الحرفيين بأقسامهم. مضافا إلى مهن أخرى كالأدباء و الصحفيين و السينمائيين و غير ذلك، و هم يتبعون ذوق الجمهور و رغبته في الغالب، لا انهم يناصرون الاقطاعيين. و ستولي الماركسية طبقة الحرفيين أهمية خاصة في النظام