تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ٢١٤ - مناقشة المجتمع الاقطاعي
الشخصية على ما كان في عصر الرق تماما؟! ستجيب الماركسية بالنفي! فإذا لم يكن يعني ذلك فلما ذا سمي النظام بالقنانة، و هل القن إلا المملوك بالملكية الشخصية؟! و هل تشديد النكير على الفلاح من الناحية التشريعية يمنعه من الهرب؟ ان التشريع لا يؤثر شيئا ما لم يقترن بقوة السلاح، و مع وجود القوة لا حاجة إلى هذا التشريع، يكفي تشريع الاشراف العام على الفلاحين، بحيث يعاقبون على عصيانه أو الهرب منه. و بهذا تستوفي حاجة النظام الاقطاعي.
و مجرد كون الرقيق في النظام السابق يمكن قتله، بدون عقاب، بخلاف نظام الاقطاع، لا يكفي فرقا بين الانسانين، مع العلم أن العمل الرئيسي لكل من الرق و القين هو الزراعة، و كلاهما قد يستخدم في أعمال أخرى.
- ٣- قلنا فيما سبق: أن ماركس و الماركسيين، لا يرون في الدنيا بلادا إلا أوروبا. فالكرة الأرضية تبدأ بأوروبا و تنتهي بها.
إن حديثها عن المجتمع الاقطاعي، كله طافح بذلك ... خذ إليك المجتمع الروماني و المجتمع اليوناني، و هما في أوروبا. و الغزو الجرماني على الرومان لم يحدث إلا في أوروبا و تطبيقات الاقطاع في المانيا و فرنسا و انكلترا و روسيا، كلها تطبيقات أوروبية. و ثورات الفلاحين، بما فيه تمرد سبارتاكوس كلها أوروبية.
إن نظام السخرة، و أخذ الأتاوة، كان منطلقه الأساسي مجتمع أوروبا.
كما أن وجود الدولة و الكنيسة اللذان يدعمان النظام الاقطاعي، إنما كانت في أوروبا. لوضوح أن الكنيسة منطلقة من الدين المسيحي، و هو دين شائع في أوروبا و قليل في غيرها. فإن الدين الشائع في الشرق الأدنى هو الاسلام، و الدين الشائع في الشرق الأقصى هو البوذية. و في افريقيا تشيع أديان و عقائد بسيطة و بدائية، و كذلك في أمريكا قبل اكتشافها، في العصر الذي نتحدث عنه.
و ينتج هذا التركيز على أوروبا، عدة أخطاء في المادية التاريخية، في حدود مجتمع الاقطاع.
أولا: إن الاقطاع الاوروبي، ليس ينبغي بالضرورة، أن يوجد في مناطق أخرى من العالم. فان لأوروبا ظروفها الخاصة التي اقتضت ذلك.