تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٦٨ - نقد التكوين العام للمادية التاريخية
المصالح العامة درجة صعبة لا يمكن للأفراد القيام بها.
الحقيقة الثانية: إن وجود الدولة يكون ضروريا ما دامت الحياة معقّدة، لا تختلف في ذلك عهود التاريخ. و لا يمكن لأي مجتمع مهما كان اشتراكيا أن يسوس نفسه بنفسه بدون دولة أو حكومة. إلا بعض الفروض النّادرة أو غير المشروعة، التي سنشير إليها بعد ذلك.
الحقيقة الثالثة: إن هناك فرقا بين الشيوعية الأولى و الشيوعية الأخيرة، لو سلّمنا بوجوديهما. فانه في الشيوعية الأولى، لم تكن الحياة معقّدة، بل كانت بدائية و بسيطة للغاية، فلم تكن البشرية بحاجة إلى الدولة. و اما في الشيوعية الأخيرة، فالحياة بطبيعة الحال معقّدة، بل هي أكثر تعقيدا من أي عهد مضى، لأنها أكثر حضارة و مدنية و إنتاجا من أي وقت مضى، على ما هو المفروض. و التعقيد تابع لوجود الحضارة و المدنية بطبيع الحال. فكيف يمكن عدم وجود الدولة، و كيف يمكن للأفراد أن يسوسوا المجتمع باستقلالهم.
و لو كان عدم الدولة، مقترنا من التوزيع الشيوعي للمال، و ناتجا منه ... لكان القول بعدم الدولة في المجتمع الأول ملازما للقول بعدمها في المجتمع الأخير، كما أرادت الماركسية ... لأن صفة التوزيع الشيوعي مشتركة بينهما. إلا أن الأمر- مع الأسف!- ليس كذلك بل هو تابع لدرجة معينة من التعقيد الاجتماعي. و هو متوفر في المجتمع الأخير و غير متوفر في المجتمع الأول، فمن الطبيعي أن يكون المجتمع الأول غير محتاج إلى الدولة، على حين يكون الأخير غير مستغن عنها.
- ٦- و بالنسبة إلى وجهة النظر المادية التاريخية للتطور، لو كان العامل الأساسي فيه هو الوجود الطبقي أو التوزيع غير المتساوي لوسائل الانتاج أو للأرباح ... لكان عدم وجود الدولة مشتركا بين المجتمعين الأول و الأخير.
إلا أن الماركسية أ فهمتنا أنها ترى أن السبب الرئيسي هو تطور وسائل الانتاج بالذات، و ان كل مرتبة أو مرحلة معينة من التطور تنتج شيئا معينا أو ظاهرة اجتماعية معينة. و لا معنى للقول بأن مرحلتين مختلفتين من تطور وسائل الانتاج تكونان متصفتين بنفس الظاهرة الاجتماعية.
و هذا ينتج منه نتيجتان مهمتان ماركسيا:
النتيجة الأولى: انه مع اختلاف درجات التطور في وسائل الانتاج من عصر الرق إلى عصر الرأسمالية، كيف يمكن أن تبقى ظاهرة معينة محفوظة و غير متبدلة، هي ظاهرة الدولة. إذ لا معنى لا تصاف مرحلتين من التطور