تاريخ الغيبة - الصدر، السيد محمد - الصفحة ١٠٦ - مناقشة الفكر الماركسي في الحرية الفردية و علاقات الانتاج
و كما يستحيل تخلف الأهداف الكونية، و يتسبب الخالق المدبر إلى تحقيقها لا محالة ... كذلك يستحيل تخلف الأهداف المتوخاة من إيجاد البشرية، و يتسبب الخالق أيضا إلى تحقيقها بالضرورة. و هذا هو الذي نصطلح عليه بالتخطيط الالهي العام، الذي سنعرض له في القسم الثالث مفصلا.
و انطباق هذا السبب على الحياة البشرية، لا يعني بحال، تحول أفعالهم الاختيارية إلى أفعال ضرورية قسرية. فإن هذا السبب الغائي، لا يزيد- في واقعه- عن السببين الآخرين من حيث التطبيق. بمعنى أن الخالق حين توخى أهدافا معينة من كونه و بشريته، جعل السبب الأول و الثالث الآتي هي الطرق إلى إنجاز تلك الأهداف، فتحوّل تلك الأسباب عن واقعها و تغير محتواها يعني بالضرورة تخلف تلك الأهداف، و هو مستحيل لأنه نقض لغرض الحكيم المطلق، إذن، فلا بد أن يبقى السبب الأول قسريا. و السبب الثالث اختياريا، على ما سنسمع، لكي ينجز الكون أهدافه.
و بكلمة أخرى: إن اختيارية أفعال البشر، دخيلة في إيصالهم إلى الكمال فالالتزام بقسرية أفعالهم، مناف مع هذا الهدف و هو محال.
السبب الثالث: لتكوين الحياة الاجتماعية، هو الأفعال الاختيارية للناس أنفسهم، و ردود أفعالهم تجاه مختلف الوقائع و الأحداث. و سنعرف مقدار اختيارية هذه الأفعال في الفقرة التالية.
و هذا السبب ذاتي- بطبعه- باعتبار أن صفة الاختيار صفة «داخلية» للانسان، كما أن الدوافع التي يصدر عنها في أفعاله دوافع داخلية أيضا.
- ٣- نعرف من هذا الذي سمعناه، ما هو الصحيح في مقدار اختيارية أفعال الانسان.
إن الانسان يملك الاختيار، بمعنى أن له أن يفعل و أن يترك تجاه أية واقعة أو حادثة، و لا يمكن أن تكون أفعاله قسرية. و هذا هو الذي له أكبر الأثر في تربيته و تكامله، و بالتالي في تربية البشرية ككل و تكاملها، و الافصاح عن النيات الحسنة و الشريرة. و بدون لا معنى لأي هدف أو أي دافع، مما