القوانين المحكمة في الأصول - القمّي، الميرزا أبو القاسم - الصفحة ٤١١ - الثاني قوله تعالى
و لا ريب أنّه لا يعلم في هاتين الصّورتين كون خصوص أحد الحكمين من الشارع [١]، بل يحتمل أن يكون كلّ منهما حقّا، و لكن لمّا لم يتعيّن، و لا سبيل إلى العلم، فرخّص لنا الشّارع حينئذ إلى الأخذ بأيّهما شئنا، من باب التسليم.
و أمّا فيما نحن فيه، فليس كذلك، إذ هو إنشاء الحكم الأوّلي حين حضور الشّارع، و الأصل الثابت بالعقل و الشّرع متيقّن الثبوت من الشّرع جزما، و ليس من باب الأحكام الاضطرارية في حال عدم التمكّن، فالتخيير فيما نحن فيه من باب التخيير بين خصال الكفّارة المصرّح به في الكتاب و السنّة، لا من باب التخيير الذي دلّنا عليه الإلجاء و الاضطرار حين جهالة الحكم.
و هذا التخيير قد يتصوّر بين جواز العمل بالأصل، و جواز العمل بخبر الواحد، و قد يتصوّر بين الأصل و خبر الواحد، و الأوّل إنّما هو من باب المسائل الأصولية المبحوث عنها.
و الذي يمكن [٢] أن يستدلّ عليه برجحان الحذر المستفاد من الآية على ما بنى عليه المأوّل [٣]، إنّما هو من باب المسائل الفقهية [٤] المستنبطة من آحاد أخبار الآحاد و، حمله على الاستحباب إنّما يصحّ إذا قطع النظر عن دلالتها على
[١] معيّنا من العلم بأنّ أحدهما حكم الشارع و قد انشأه و قرّره في عالم الواقع إلّا انّه اشتبه المعيّن الواقعي بين هذين الحكمين في عالم الظاهر و هذا بخلاف ما نحن فيه.
[٢] أي التخيير الذي.
[٣] و هو سلطان المحقّقين حيث وجّه ندب الحذر بإرجاعه الى صورة احتمال وجود المقتضي و هو على ما زعمه إما الوجوب أو الحرمة في الخبر الدّال على أحدهما، أو تابع مفسدة الترك أو الفعل، و القرينة على أنّه بني على كون رجحان الحذر المستفاد من الآية.
[٤] و سيجيء بأن لا معنى للتخيير هنا فما لو كانت المسألة أصولية.