الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم - النباطي، الشيخ علي - الصفحة ٧٧ - الفصل الخامس فيما يرد على الاختيار
ليس له أن يحكم لنفسه أو يكون مفضولا فكيف يقبل حكمه بالإمامة على من هو أفضل منه و أيضا فإذا جاز أن يكون الإمام مفضولا عن غيره في العلم و غيره بدرجة جاز كونه مفضولا بدرجتين لعدم الأولوية و بثلاث و هكذا إلى أن ينتهي إلى جواز أن يستفتي عن رعيته في وقائع دينه و عبادته و قد لا يجد في ذلك الوقت مسددا فيستمر تعطيل الحكومات و العبادات دهرا مديدا.
و قد أضاف الله الاختيار إلى نفسه و جعله مقصورا على الأفضلين في قوله تعالى وَ لَقَدِ اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ[١] و ليس اختيار الرسول و الإمام خارجا من هذا المقام لأنه بأمر الملك العلام بسرائر الأنام.
و أيضا فمختار الإمام[٢] لا يملك أمر كل الأمة فكيف يملكه لغيره و أيضا جاز لكل فرقة من المسلمين أن يختاروا منهم إماما لكونه يشرفهم و إن لم يجز اختلافهم فمن يتفقون عليه يلزم منه بطلان اعتقاد من خالفه و في ذلك كله يلزم تكثير الأئمة الموجب للفساد الموجب لإبطال الاختيار و كيف جاز للحكيم مع شدة رحمته إسناد أمر الإمامة إلى خليقته مع علمه بعدم اتفاقهم و تنازعهم و قد أمر الله تعالى بالقتال حتى لا تكون فتنة و في تفويض الأمر إليهم إثارة الفتنة.
إن قيل إنما العبرة بمدينة الرسول ص فمتى عقدوها لشخص وجب اتباعه على سائر الأنام قلنا أهل المدينة ليسوا كل الأمة و لا كل المؤمنين و لا كل العلماء
و قول النبي إن المدينة لتنفي خبثها كما تنفي الكير خبث الحديد[٣].
لا ينفعها ذلك لإحداث عثمان ما أحدث فيها و قتله بإجماع أكثرها و اشتهار الغلول و أنواع الفسوق منها و إن أريد جميع أهلها بحيث يدخل المعصوم فيها كان الاعتماد على قوله لا عليهم و إذا لم ينحصر محل الاختيار في مصر من الأمصار مع تباعد أهل
[١] الدخان: ٣٢.
[٢] يعني الذي يختار الامام.
[٣] مشكاة المصابيح ص ٢٣٩ و الحديث متفق عليه.