الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم - النباطي، الشيخ علي - الصفحة ٥١ - الفصل الرابع في عصمة الأنبياء عليهم السّلام
على عدم جواز ذلك مطلقا عليهم و بعضهم أجازه سهوا منهم و ربما استندوا في ذلك إلى ظواهر آيات تدل على ذلك و هي أوهام كاذبة قد علم جوابها من التنزيهات و غيرها و الدليل على العصمة مطلقا أن عدمها في وقت ما يناقض المقصود من بعثهم و هو امتثال أمرهم الذي لا يتم إلا بالوثوق بقولهم المسبب عن العلم بعدم صدور الذنب عنهم و لو جوزوا معصيتهم جوزوا تزيدهم و نقصهم في مأموراتهم و لو صدر الذنب عنهم لهبطوا عن منازل العوام لعلو قدرهم و لردت شهادتهم لآية إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا[١] و ذلك يناقض قوله تعالى ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا[٢] و لأن معصيتهم تقتضي وجوب أذاهم و نبوتهم تقتضي تحريمه فلا يجتمعان فمتى ثبتت المعصية انتفت النبوة و بالعكس و لأنه لا يجب اتباعهم إلا بعد العلم بصدقهم و مع تجويز عصيانهم لا نعلم بصدقهم بل في ذلك التنفر عنهم.
إن قيل إن أكثر الناس لم يتنفر عنهم مع اعتقادهم عدم عصمتهم قلنا الذنب إذا حصل منهم لا يوجب ترك قولهم بالكلية فإن العصمة لما كانت مقربة غير موجبة للاتباع كان عدمها غير موجب للامتناع فقبول المجوزين لعدم عصمتهم لا يقدح في أن عصيانهم مفسدة و حينئذ فالعصمة واجبة.
إن قيل فالصغائر منهم لا توجب التنفر عنهم لوقوعها مكفرة قلنا هذا بناء على التحابط و هو باطل و لأن الصغائر لا يميزها أكثر الناس من الكبائر فينفروا بسببها مطلقا و لا يعرف الأكثر تكفير الصغائر فلا يزول التنفر فلا يحصل النفع بالتنذير على كل تقدير فقبح الله قوما أضافوا إلى نبيهم ما تتنفر منه عقولهم و يبرءون منه لو نسب إليهم فنسبوه إلى عدم الغيرة و الأنفة حيث روى مسلم و البخاري أن عائشة وضعت خدها على خده و تفرجت على السودان
[١] الحجرات: ٦.
[٢] الحشر: ٧.