التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٣ - ما هي العبرة؟
٤/ وقال الله تعالى: وإِنَّ لَكُمْ فِي الانْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُم مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ (النحل/ ٦٦).
آفاق الاعتبار:
١/ وانما اولو الالباب، وأولوا الأبصار، هم الذين يعتبرون لأنهم يثيرون بالنظر عقولهم، ويفكرون في الظواهر وما وراءها من حقائق وسنن، ومن آفاق نظرتهم أنهم يتفكرون في خلق السموات والارض وآيات التدبير فيها، ويقولون إنها لم تخلق باطلا. قال الله تعالى: يُقَلِّبُ الله الَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِاوْلِي الابْصَارِ (النور/ ٤٤).
والبصر هنا هو الذي ينظر في الظواهر نظرة تفكر وتدبر، لا نظرة ساذجة.
قال الصادق (عليه السلام): قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المعتبر في الدنيا عيشه كعيش النائم يراها ولا يمسها، وهو يزيل عن قلبه ونفسه باستقباحه معاملات المغرورين بها ما يورثه الحساب والعقاب، ويتبدل بها ما يقربه من رضى الله وعفوه، و يغسل بماء زوالها مواضع دعوتها اليه، وتزيين نفسها اليه فالعبرة يورث صاحبها ثلاثة اشياء، العلم بما يعمل، والعمل بما يعلم، وعلم ما لم يعلم.
فالعبرة اصلها: أول يخشى آخره، وآخر يحقق الزهد في أوله، ولا يصح الاعتبار الا لأهل الصفا والبصيرة، قال الله عز وجل:" فاعتبروا يا أولي الابصار" وقال جل اسمه:" فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" فمن فتح الله عين قلبه وبصيرة عينه بالاعتبار، فقد اعطاه منزلة رفيعة، وزلفة عظيمة. [١]
٢/ ومن آفاق نظرتهم اعتبارهم بحوادث التاريخ، فلا يمرون على حادثة الا ويتفكرون في سنن الله التي تجلت فيها.
مثلًا: قصة يوسف وما جرى عليه من مشاكل واجهها بصبر وتقوى، وما انتهى اليه من الملك والنبوة، عبرة لأولي الألباب (الذين يعرفون ان البشر هم البشر بنوازعهم وحوافزهم وايمانهم، وان الدنيا هي الدنيا بحوادثها، وحركة الناس فيها، وسنن الله الحاكمة فيها)، قال الله تعالى:
[١] بحار الأنوار/ ج ٦٨/ ص ٣٢٦/ رواية رقم ٢١ ..