دلائل النبوة و معرفة أحوال صاحب الشريعة - أبو بكر البيهقي - الصفحة ١٢٤ - باب فيما ظهر من الكرامات على أم شريك في هجرتها إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) و ما ظهر من دلالات النبوة في العكّة التي أهدتها له
(١) ماء أشدّ بياضا من اللبن و أحلى من العسل، فشربت حتى رويت، ثم نضحت على سقاء حتى ابتلّ، ثم ملأته، ثم رفع بين يديّ و أنا أنظر حتى توارى مني في السماء، فلما أصبحت جاء اليهودي، فقال: يا أم شريك! قلت: و اللّه قد سقاني اللّه، فقال: من أين أنزل عليك من السماء؟ قلت: نعم و اللّه، لقد أنزل اللّه عز و جل عليّ من السماء، ثم رفع بين يدي حتى توارى عني في السماء، ثم أقبلت حتى دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقصّت عليه القصّة، فخطب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إليها نفسها، فقالت: يا رسول اللّه لست أرضى نفسي لك، و لكن بضعي لك فزوجني من شئت، فزوجها زيدا، و أمر لها بثلاثين صاعا، و قال كلوا و لا تكيلوا، و كان معها عكّة سمن هدية لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، فقالت لجارية لها: بلغي هذه العكّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)، قولي أم شريك تقرئك السلام، و قولي هذه عكّة سمن أهديناها لك، فانطلقت بها فأخذوها ففرّغوها، و
قال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم): «علقوها و لا تأكلوها»، فعلقوها في مكانها فدخلت أم شريك، فنظرت إليها مملوءة سمنا، فقالت: يا فلانة أليس أمرتك أن تنطلقي بهذه العكّة إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم)؟ فقالت: قد و اللّه انطلقت بها كما قلت، ثم أقبلت بها أصوبها ما يقطر منها شيء، و لكنه قال: علقوها و لا توكئوها، فعلقتها في مكانها و قد أوكتها أمّ شريك حين رأتها مملوءة، فأكلوا منها حتى فنيت، ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء
[٢].
قلت و روي ذلك من وجه آخر و لحديثه في العكة شاهد صحيح عن جابر ابن عبد اللّه في أم مالك، و قد مضى ذكره و اللّه أعلم.
[٢] نقله ابن كثير في التاريخ (٦: ١٠٤) عن المصنف.