وقعة صفين - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٩١
فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ مِنْ قُرَّاءِ أَهْلِ الشَّامِ قَدْ بَايَعُوا عَلَى الْمَوْتِ وَ هِيَ مَيْمَنَةُ أَهْلِ الشَّامِ وَ عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ ذُو الْكَلَاعِ فَحَمَلُوا عَلَى رَبِيعَةَ وَ هُمْ مَيْسَرَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ وَ هُوَ عَلَى الْمَيْسَرَةِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ ذُو الْكَلَاعِ وَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَحَمَلُوا عَلَى رَبِيعَةَ حَمْلَةً شَدِيدَةً بِخَيْلِهِمْ وَ رِجَالِهِمْ فَتَضَعْضَعَتْ رَايَاتُ رَبِيعَةَ فَتَثَبَّتُوا إِلَّا قَلِيلًا مِنَ الْأَحْشَامِ وَ الْأَنْذَالِ[١] ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الشَّامِ انْصَرَفُوا وَ لَمْ يَمْكُثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى كَرُّوا ثَانِيَةً وَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِي أَوَائِلِهِمْ يَقُولُ يَا أَهْلَ الشَّامِ هَذَا الْحَيُّ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَ أَنْصَارِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ إِنْ هَزَمْتُمْ هَذِهِ الْقَبِيلَةَ أَدْرَكْتُمْ ثَأْرَكُمْ فِي عُثْمَانَ وَ هَلَكَ عَلِيٌّ وَ أَهْلُ الْعِرَاقِ.
فَشَدُّوا عَلَى النَّاسِ شِدَّةً شَدِيدَةً فَثَبَتَتْ لَهُمْ رَبِيعَةُ وَ صَبَرُوا صَبْراً حَسَناً إِلَّا قَلِيلًا مِنَ الضُّعَفَاءِ وَ ثَبَتَ أَهْلُ الرَّايَاتِ وَ أَهْلُ الْبَصَائِرِ مِنْهُمْ وَ الْحُفَّاظُ وَ قَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيداً فَلَمَّا رَأَى خَالِدُ بْنُ الْمُعَمَّرِ أُنَاساً قَدِ انْهَزَمُوا مِنْ قَوْمِهِ انْصَرَفَ فَلَمَّا رَأَى أَصْحَابَ الرَّايَاتِ قَدْ ثَبَتُوا وَ رَأَى قَوْمَهُ قَدْ صَبَرُوا رَجَعَ وَ صَاحَ بِمَنِ انْهَزَمَ بِالرُّجُوعِ فَقَالَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَّهِمَهُ مِنْ قَوْمِهِ أَرَادَ الِانْصِرَافَ فَلَمَّا رَآنَا قَدْ ثَبَتْنَا رَجَعَ إِلَيْنَا وَ قَالَ:[٢] هُوَ لِمَا رَأَيْتُ رِجَالًا مِنَّا قَدِ انْهَزَمُوا رَأَيْتُ أَنْ أَسْتَقْبِلَهُمْ ثُمَّ أَرُدَّهُمْ إِلَيْكُمْ فَأَقْبَلْتُ إِلَيْكُمْ بِمَنْ أَطَاعَنِي مِنْهُمْ فَجَاءَ بِأَمْرٍ مُشْتَبِهٍ[٣] وَ كَانَ بِصِفِّينَ أَرْبَعَةُ آلَافِ مُحَجَّفٍ مِنْ عَنْزَةَ[٤].
[١] الأحشام: الأنباع. و عند الطبريّ:« فتضعضعت رايات ربيعة إلّا قليلا من الأخيار و الأبدال». و مؤدى العبارتين واحد. و هذا الخبر من أوله روى في ح مختصرا، و لم أجد فيه مواضع المقابلة التي أشرت إليها من الطبريّ.
[٢] في الأصل:« لهم» و أثبت ما في ح( ١: ٤٩٦) و الطبريّ.
[٣] الطبريّ:« بأمر مشبه».
[٤] ح:« و كان في جملة ربيعة من عنزة وحدها أربعة آلاف مجفف». و المحجف:
لابس الحجفة، و هي ترس يتخذ من جلود الإبل يطارق بعضها ببعض. و المجفف في رواية ح صحيحة أيضا، رجل مجفف لبس التجفاف، و هو بالفتح: ما جلل به الفرس من سلاح و آلة.- تقيه الجراح. و في اللسان:« و قد يلبسه الإنسان أيضا». قال ابن أبي الحديد:« قلت:
لا ريب عند علماء السير أن خالد بن المعمر كان له باطن سوء مع معاوية، و أنّه انهزم ذلك اليوم ليكسر الميسرة على عليّ عليه السلام. ذكر ذلك الكلبى و الواقدى و غيرهما. و يدل على باطنه هذا أنّه لما استظهرت ربيعة على معاوية و على صفوف أهل الشام في اليوم الثاني من هذا أرسل معاوية إلى خالد بن المعمر: أن كف و لك إمارة خراسان ما بقيت. فرجع بربيعة و قد شارفوا أخذه من مضربه».