وقعة صفين - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ١٩٣
قَالَ: وَ قَالَ الْأَشْعَثُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ غَلَبَ اللَّهُ لَكَ عَلَى الْمَاءِ قَالَ عَلِيٌّ: «أَنْتَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
|
تُلَاقِينَ قَيْساً وَ أَتْبَاعَهُ |
فَيُشْعِلُ لِلْحَرْبِ نَاراً فَنَاراً |
|
|
أَخُو الْحَرْبِ إِنْ لَقِحَتْ بَازِلًا |
سَمَا لِلْعُلَى وَ أَجَلَّ الْخِطَارَا |
|
»[١].
فَلَمَّا غَلَبَ عَلِيٌّ عَلَى الْمَاءِ فَطَرَدَ عَنْهُ أَهْلَ الشَّامِ بَعَثَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: «إِنَّا لَا نُكَافِيكَ بِصُنْعِكَ هَلُمَّ إِلَى الْمَاءِ فَنَحْنُ وَ أَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ» فَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالشَّرِيعَةِ مِمَّا يَلِيهِ قَالَ عَلِيٌّ ع لِأَصْحَابِهِ: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْخَطْبَ أَعْظَمُ مِنْ مَنْعِ الْمَاءِ» وَ قَالَ مُعَاوِيَةُ لِلَّهِ دَرُّ عَمْرٍو مَا عَصَيْتُهُ فِي أَمْرٍ قَطُّ إِلَّا أَخْطَأْتُ الرَّأْيَ فِيهِ قَالَ: فَمَكَثَ مُعَاوِيَةُ أَيَّاماً لَا يُكَلِّمُ عَمْراً ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا عَمْرُو كَانَ فَلْتَةً مِنْ رَأْيٍ أَعْقَبَتْنِي بِخَطَائِهَا[٢] وَ أَمَتُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا مِنَ الصَّوَابِ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ تُقَايِسُ [صَوَابَكَ][٣] بِخَطَائِكَ لَقَلَّ صَوَابُكَ فَقَالَ عَمْرٌو: قَدْ كَانَ كَذَا فَرَأَيْتُكَ احْتَجْتَ إِلَى رَأْيِكَ وَ مَا خَطَاؤُكَ الْيَوْمَ حِينَ أَعْذَرْتُ إِلَيْكَ أَمْسِ وَ كَذَلِكَ أَنَا لَكَ غَداً إِنْ عَصَيْتَنِي الْيَوْمَ فَعَطَفَ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ وَ رَضِيَ عَنْهُ وَ بَاتَ عَلَى مَشْقِ الْحِيَلِ[٤] حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ غَادَاهُمْ عَلَى الْقِتَالِ وَ عَلَى رَايَتِهِ يَوْمَئِذٍ هَاشِمُ بْنُ عُتْبَةَ الْمِرْقَالُ قَالَ: وَ مَعَهُ الْحُدْلُ الَّتِي يَقُولُ فِيهَا الْأَشْتَرُ:
|
إِنَّا إِذَا مَا احْتَسَبْنَا الْوَغَى |
أَدَرْنَا الرَّحَى بِصُنُوفِ الْحُدْلِ[٥] |
|
[١] أي إن لقحت الحرب و هي بازل. و البزول: أقصى أسنان البعير إذا طعن في التاسعة.
يقول: إذا تجددت الحرب بعد ما طال عهدها و قوتل فيها مرّات دخل في غمارها و لم يتهيب.
أجل: أعظم. و الخطار: مصدر كالمخاطرة؛ يقال خاطر بنفسه: أشفى بها على خطر هلك أو نيل ملك. و في الأصل: «لحقت بازلا»، صوابه في ح.
[٢] الخطاء: الخطأ. و في الأصل: «بخطائها» تحريف.
[٣] تكملة يقتضيها السياق.
[٤] كذا في الأصل.
[٥] الحدل: جمع حدلاء، و هي القوس قد حدرت إحدى سيتيها و رفعت الأخرى.
و في الأصل: «الجدل» فى هذا الموضع و سابقه، جمع جدلاء للدرع المجدولة، و لا وجه لها هنا.