وقعة صفين - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٥٦
فَلَمَّا انْتَهَى الْكِتَابُ إِلَى جَرِيرٍ أَتَى مُعَاوِيَةَ فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ فَقَالَ لَهُ: يَا مُعَاوِيَةُ إِنَّهُ لَا يُطْبَعُ عَلَى قَلْبِ إِلَّا بِذَنْبٍ وَ لَا يُشْرَحُ صَدْرٌ إِلَّا بِتَوْبَةٍ[١] وَ لَا أَظُنُّ قَلْبَكَ إِلَّا مَطْبُوعاً أَرَاكَ قَدْ وَقَفْتَ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ كَأَنَّكَ تَنْتَظِرُ شَيْئاً فِي يَدَيْ غَيْرِكَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: أَلْقَاكَ بِالْفَيْصَلِ أَوَّلَ مَجْلِسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمَّا بَايَعَ مُعَاوِيَةَ أَهْلُ الشَّامِ وَ ذَاقَهُمْ قَالَ: يَا جَرِيرُ الْحَقْ بِصَاحِبِكَ وَ كَتَبَ إِلَيْهِ بِالْحَرْبِ[٢] وَ كَتَبَ فِي أَسْفَلِ كِتَابِهِ بِقَوْلِ كَعْبِ بْنِ جُعَيْلٍ
|
أَرَى الشَّامَ تَكْرَهُ مُلْكَ الْعِرَاقِ |
وَ أَهْلُ الْعِرَاقِ لَهَا كَارِهُونَا[٣] |
|
|
وَ كُلٌّ لِصَاحِبِهِ مُبْغِضٌ |
يَرَى كُلَّ مَا كَانَ مِنْ ذَاكَ دِيناً |
|
[١] في الأصل: «و لا ينشرح إلّا بتوبة» و أثبت ما في ح.
[٢] لم يذكر لنا نصر نص رسالة معاوية، و هي كما جاءت في كامل المبرد ١٨٤:
«بسم اللّه الرحمن الرحيم من معاوية بن صخر إلى عليّ بن أبي طالب. أما بعد فلعمرى لو بايعك القوم الذين بايعوك و أنت برىء من دم عثمان كنت كأبى بكر و عمر و عثمان رضى اللّه عنهم أجمعين، و لكن أغريت بعثمان المهاجرين، و خذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل و قوى بك الضعيف. و قد أبى أهل الشام إلّا قتلك حتّى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإن فعلت كانت شورى بين المسلمين. و لعمرى ما حجتك على كحجتك على طلحة و الزبير؛ لأنهما بايعك و لم أبايعك.
و ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة؛ لأن أهل البصرة أطاعوك و لم يطعك أهل الشام. و أمّا شرفك في الإسلام و قرابتك من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم و موضعك من قريش فلست أدفعه». و قد روى هذه الرسالة صاحب الإمامة و السياسة (١: ٨٧) و زاد بعد قوله: «كانت شورى بين المسلمين» هذا الكلام: «و قد كان أهل الحجاز أعلى الناس و في أيديهم الحق، فلما تركوه صار الحق في أيدي أهل الشام». و هذه العبارة الأخيرة توضح لنا السر في ارتياب ابن أبي الحديد في آخر الصفحة ٢٥٢ من الجزء الأول، في تمام الرواية التي رواها المبرد. و قال في أول ٢٥٣: «و ما وجدنا هذا الكلام في كتابه».
و ها هو ذا الكلام بتمامه بين يدي القارئ.
[٣] ح (١: ١٥٨): «تكره أهل العراق* و أهل العراق لهم». و في كامل المبرد ١٨٤: «تكره ملك العراق* و أهل العراق لهم».