وقعة صفين - المنقري، نصر بن مزاحم - الصفحة ٢٧٨
أَهْلِ الشَّامِ وَ كَانَ فِي النَّاسِ رِدْفَ بِشْرِ بْنِ عِصْمَةَ وَ هُوَ الثَّانِي فِي النَّاسِ فَنَادَى: أَ لَا مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَأَحْجَمَ النَّاسُ عَنْهُ فَقَامَ الْمُقَطَّعُ الْعَامِرِيُّ وَ كَانَ شَيْخاً كَبِيراً فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: «اقْعُدْ إِنَّكَ شَيْخٌ كَبِيرٌ وَ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ رَهْطِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ مَا كُنْتُ لِأُقَدِّمَكَ» فَجَلَسَ. ثُمَّ إِنَّهُ نَادَى ابْنُ مُقَيِّدَةِ الْحِمَارِ: أَ لَا مِنْ مُبَارِزٍ؟ الثَّانِيَةَ فَقَامَ الْمُقَطَّعُ فَأَجْلَسَهُ عَلِيٌّ أَيْضاً ثُمَّ نَادَى الثَّالِثَةَ: أَ لَا مِنْ مُبَارِزٍ؟ فَقَامَ الْمُقَطَّعُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَ اللَّهِ لَا تَرُدَّنِي إِمَّا أَنْ يَقْتُلَنِي فَأَتَعَجَّلَ الْجَنَّةَ وَ أَسْتَرِيحَ مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْكِبَرِ وَ الْهَرَمِ أَوْ أَقْتُلَهُ فَأُرِيحَكَ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: «مَا اسْمُكَ؟» قَالَ: أَنَا الْمُقَطَّعُ قَدْ كُنْتُ أُدْعَى هَشِيماً فَأَصَابَتْنِي جِرَاحَةٌ فَسُمِّيَتُ مُقَطَّعاً مِنْهَا فَقَالَ لَهُ: «اخْرُجْ إِلَيْهِ وَ أَقْدِمْ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ انْصُرْهُ» فَحَمَلَ عَلَيْهِ الْمُقَطَّعُ فَأَجْهَشَ ابْنَ مُقَيِّدَةِ الْحِمَارِ وَ كَانَ زَكِيّاً مُجَرَّباً فَلَمْ يَجِدْ شَيْئاً خَيْراً مِنْ الْهَرَبِ فَهَرَبَ حَتَّى مَرَّ بِمِضْرَبِ مُعَاوِيَةَ[١] وَ الْمُقَطَّعُ عَلَى أَثَرِهِ فَجَازَ مُعَاوِيَةَ فَنَادَاهُ مُعَاوِيَةُ: لَقَدْ شَمَصَ بِكَ الْعِرَاقِيُ[٢] قَالَ: لَقَدْ فَعَلَ! ثُمَّ رَجَعَ الْمُقَطَّعُ حَتَّى وَقَفَ فِي مَوْقِفِهِ فَلَمَّا كَانَ عَامَ الْجَمَاعَةِ وَ بَايَعَ النَّاسُ مُعَاوِيَةَ سَأَلَ عَنِ الْمُقَطَّعِ الْعَامِرِيِّ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ فَدَخَلَ عَلَيْهِ فَإِذَا هُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: أَوَّهْ لَوْ لَا[٣] أَنَّكَ فِي هَذَا الْحَالِ مَا أَفْلَتَّنِي قَالَ: نَشَدْتُكَ اللَّهَ إِلَّا قَتَلْتَنِي وَ أَرَحْتَنِي[٤] مِنْ بُؤْسِ الْحَيَاةِ وَ أَدْنَيْتَنِي إِلَى لِقَاءِ اللَّهِ قَالَ: إِنِّي لَا أَقْتُلُكَ وَ إِنَّ لِي إِلَيْكَ لَحَاجَةً قَالَ: فَمَا حَاجَتُكَ؟ قَالَ: جِئْتُ لِأُوَاخِيَكَ قَالَ: إِنَّا وَ إِيَّاكُمْ قَدِ افْتَرَقْنَا فِي اللَّهِ أَمَّا أَنَا فَأَكُونُ عَلَى حَالِي حَتَّى يَجْمَعَ اللَّهُ بَيْنَنَا فِي الْآخِرَةِ.
[١] المضرب، بكسر الميم: الفسطاط العظيم.
[٢] في الأصل:« شخص» و أثبت ما في ح. الشمص: الإعجال؛ و التشميص: السوق و الطرد العنيف.
[٣] في الأصل:« لو علمت» و الوجه ما أثبت من ح.
[٤] في الأصل:« إلا قتلت و أرحت» و أثبت ما في ح.