دروس في أصول الفقه(الحلقة الثانية) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ٢٨٧ - العلامة الأولى التّبادر عند أهل اللغة
المعنى، وهذه العلاقة تنشأ من القانون التكويني الموجود في الذهن البشري، ومفاد هذا القانون هو أنه إذا ارتبط شيء بشيء آخر فإن تصور أحدهما يؤدي إلى تصور الآخر، لذلك يمكن الاستدلال على الوضع بالتبادر، ويمكن جعل التبادر علامة على أن المعنى المتبادَر هو المعنى الموضوع له لأن المعلول يكشف عن العلة كشفا إِنِّيًّا، ونستكشف من التبادر المعنى الموضوع له اللفظ وهو المعنى الحقيقي للفظ، ولهذا عُدَّ التبادر من علامات الحقيقة.
وهنا لا بدّ من بيان معنى البرهان الإِنِّيّ والبرهان اللِّمِّيّ أو الكشف الإنّيّ والكشف اللّمّيّ، في الكشف اللمي يتم الانتقال من العلة إلى المعلول ونستكشف وجود المعلول من وجود العلة، وفي الكشف الإني يتم الانتقال من المعلول إلى العلة ونستكشف وجود العلة من وجود المعلول.
وفي مقامنا المعلول هو التبادر، والعلة هي الوضع، فتبادر المعنى وهو المعلول يكشف عن الوضع وهو العلة، فالوضع هو علة للتبادر، وعندما يتبادر المعنى إلى الذهن نعرف أن سبب التبادر هو الوضع ونستكشف أن هذا اللفظ موضوع لهذا المعنى، فالوضع علة وسبب للتبادر، وإذا علمنا بالمعلول- والمعلول هو التبادر- انتقلنا إلى العلم بالوضع، والوضع هو علة التبادر، وهذا انتقال من المعلول إلى العلة، فيكون الكشف فيه كشفا إنّيّا، فالتبادر يكشف لنا أنه في رتبة سابقة على التبادر تحققت علاقة بين اللفظ والمعنى، فلو لم تتحقق علاقة السببية بينهما لما حصل تبادر المعنى من اللفظ.