الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤٩
..........
و هذا قول من غلظ طبعه و بعد بالعجمة عن فهم البلاغة قلبه و كذلك قال هو و من قلّده فى قوله تعالى: وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ الرحمن: ٢٧ أى يبقى ربّك، و كلّ شيء هالك إلا وجهه، أى: إلا إيّاه، فعلى هذا قد خلا ذكر، الوجه من حكمة، و كيف تخلو كلمة منه من الحكمة، و هو الكتاب الحكيم، و لكن هذا هو الموطن للثانى من مواطن ذكر الوجه، و المعنى به ما ظهر إلى القلوب و البصائر من أوصاف جلاله و مجده، و الوجه لغة ما ظهر من الشيء معقولا كان أو محسوسا، تقول: هذا وجه المسألة، و وجه الحديث، أى:
الظاهر إلى رأيك منه، و كذلك الثوب ما ظهر إلى بصرك منه، و البصائر لا تحيط بأوصاف جلاله، و ما يظهر لها من ذلك أقل مما يغيب عنها، و هو الظاهر و الباطن- تعالى و جلّ- و كذلك فى الجنة نظر أهلها إلى وجهه سبحانه إنما هو نظر إلى ما يرون من ظاهر جلاله إليهم عند تجليه، و رفع الحجاب دونهم، و ما لا يدركون من ذلك الجلال أكثر مما أدركوا.
و قوله سبحانه: كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ، وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ الرحمن: ٢٦، ٢٧ لما كانت السموات و الأرض، قد أظهرت من قدرته و سلطانه، ما أظهرت أخبر تعالى أن فناءها لا يغيّر ما علم من سلطانه و ظهر إلى البصائر من جلاله، فقد كان ذلك الجلال قبل أن يخلقها، و هو باق بعد فنائها كما كان فى القدم، فهو ذو الجلال و الإكرام، قال الحسن: معناه: تجلّل بالبهاء و أكرم من شاء بالنظر إلى وجهه أما الأشعرى فذهب فى معنى الوجه إلى ما ذهب فيه من معنى العين و اليد، و أنها صفات للّه تعالى لم تعلم من جهة