الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٤٧
..........
و قد قال أبو الحسن بن كيسان فى نهى النبيّ (صلى الله عليه و سلم) عن بيع حبل الحبلة [١]، إنه بيع العنب قبل أن يطيب، كما جاء فى الحديث الآخر من نهيه عن بيع التمر قبل أن يبدو صلاحه، و هو قول غريب لم يذهب إليه أحد فى تأويل الحديث، و قد قال عمر بن الخطاب فى الأرضين التي افتتحت فى زمانه- و قد قيل له: قسمها على الذين افتتحوها- فقال: و اللّه لأدعنّها حتى يجاهد بها حبل الحبلة، يريد: أولادها فى البطون. ذكره أبو عبيد فى كتاب الأموال، و القول الذي ذكره أبو الحسن فى حبل الحبلة وقع فى كتاب الألفاظ ليعقوب و إنما أشكل عليه و على غيره دخول الهاء فى الحبلة، حتى قالوا فيه أقوالا كلها هباء، فمنهم من قال: إنما قال الحبلة لأنها بهيمة أو جنينة، و منهم من قال:
دخلت للجماعة، و منهم من قال: للمبالغة، و هذا كله ينعكس عليهم بقوله:
حبل الحبلة، فإنه لم تدخل التاء إلا فى أحد اللفظين دون الثانى، و تبطل أيضا على من قال أراد: معنى البهيمة بحديث عمر المتقدم، و إنما النكتة فى ذلك أن الحبل ما دام حبلا لا يدرى: أذكر هو أم أنثى، لم يسمّ حبلا، فإذا كانت أنثى، و بلغت حد الحمل، فحبلت فذاك الحبل هو الذي نهى عن بيعه، و الأول قد علمت أنوثته بعد الولادة، فعبر عنه بالحبلة، و صار معنى الكلام أنه نهى عن بيع حبل الجنينة التي كانت حبلا لا يعرف ما هي، ثم عرف بعد الوضع، و كذلك فى الآدميين، فإذا لا يقال لها: حبلة إلا بعد المعرفة بأنها أنثى،
[١] فى القاموس: الحبلة- بضم الحاء- الكرم أو أصل من أصوله، و الحبل محركة: شجر العنب، و ربما سكن