الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٢٩
..........
ثالث، و هو أن تكون الآية تأخّر نزولها، فنزلت بالمدينة ناسخة للاستغفار للمشركين، فيكون سبب نزولها متقدما، و نزولها متأخرا لا سيما، و هى فى سورة براءة و براءة، من آخر ما نزل، فتكون على هذا ناسخة للاستغفارين جميعا، و فى الصحيح أن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- دخل على أبى طالب عند موته، و عنده أبو جهل، و عبد اللّه بن أبى أمية، فقال: يا عمّ قل: لا إله إلا اللّه كلمة أشهد لك بها عند اللّه، فقال له أبو جهل و ابن أبى أمية: أ ترغب عن ملّة عبد المطلب، فقال: أنا على ملة عبد المطلب، و ظاهر الحديث يقتضى أن عبد المطلب مات على الشرك، و وجدت فى بعض كتب المسعودى اختلافا فى عبد المطلب، و أنه قد قال فيه: مات مسلما لما رأى من الدلائل على نبوّة محمد- (صلى الله عليه و سلم)- و علم أنه لا يبعث إلا بالتوحيد [١]، فاللّه أعلم، غير أن فى مسند البزار، و فى كتاب النسوى من حديث عبد اللّه بن عمر أن رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- قال لفاطمة، و قد عزّت قوما من الأنصار عن ميّتهم: لعلك بلغت معهم الكدى، و يروى الكرى بالراء، يعنى:
القبور، فقالت: لا، فقال: لو كنت معهم الكدى [٢] أو كما قال، ما رأيت
[١] النبيّ- (صلى الله عليه و سلم)- نفسه لم يكن يعلم شيئا عن نبوته قبل المبعث ندبر قول ربنا سبحانه: (وَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى) و قوله: (ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَ لَا الْإِيمانُ).
[٢] الرواية لو بلغت معهم الكدى، أو: لو بلغتها معهم. و قد ورد تفسير الكدى بالقبور عن ربيعة بن سيف من تابعى أهل مصر، و فيه مقال لا يقدح فى حسن الإسناد، و فى الرواية أن الرسول «ص» حين سأل فاطمة عن ذلك أنها قالت له: معاذ اللّه، و قد سمعتك تذكر فيها ما تذكر. رواه أبو داود و النسائى