الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٣٣٨
بِالْآخِرَةِ، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ فأنبههم اللّه عزّ و جلّ بذلك من فعلهم، و قد حرّم عليهم فى التوراة سفك دمائهم، و افترض عليهم فيها فداء أسراهم.
فكانوا فريقين، منهم بنو قينقاع و لفّهم، حلفاء الخزرج، و النّضير و قريظة و لفّهم، حلفاء الأوس. فكانوا إذا كانت بين الأوس و الخزرج حرب خرجت بنو قينقاع مع الخزرج و خرجت النضير و قريظة مع الأوس يظاهر كلّ واحد من الفريقين حلفاءه على إخوانه، حتى يتسافكوا دماءهم بينهم و بأيديهم التوراة يعرفون فيها ما عليهم و مالهم، و الأوس و الخزرج أهل شرك يعبدون الأوثان. لا يعرفون جنّة و لا نارا، و لا بعثا و لا قيامة، و لا كتابا، و لا حلالا و لا حراما، فإذا وضعت الحرب أوزارها افتدوا أساراهم تصديقا لما فى التوراة، و أخذ به بعضهم من بعض، يفتدى بنو قينقاع من كان من أسراهم فى أيدى الأوس و تفتدى النّضير و قريظة ما فى أيدى الخزرج منهم و يطلّون ما أصابوا من الدماء، و قتلى من قتلوا منهم فيما بينهم، مظاهرة لأهل الشرك عليهم. يقول اللّه تعالى لهم حين أنّبهم بذلك:
أَ فَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَ تَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ، أى تفاديه بحكم التوراة و تقتله، و فى حكم التوراة أن لا تفعل، تقتله و تخرجه من داره و تظاهر عليه من يشرك باللّه، و يعبد الأوثان من دونه، ابتغاء عرض الدنيا. ففى ذلك من فعلهم مع الأوس و الخزرج- فيما بلغنى- نزلت هذه القصة.
ثم قال تعالى: وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ
..........