الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٢٨٣
..........
..........
فإنه لما أحبهم كان نصيبهم من رحمته و إحسانه و بره أتم نصيب.
و الجهمية المعطلة عكس هؤلاء، فانه عندهم لا يحب و لا يحب، و لم يمكناهم تكذيب النصوص، فأولوا نصوص محبة العباد له على محبة طاعته و عبادته.
و الازدياد من الأعمال؛ لينالوا بها الثواب، و إن أطلقوا عليهم بها لفظ المحبة، فلما ينالون به من الثواب و الأجر و الثواب المنفصل عندهم: هو المحبوب لذاته، و الرب تعالى محبوب لغيره حب الوسائل.
و أولو نصوص محبته لهم باحسانه إليهم، و إعطائهم الثواب، و ربما أولوها بثنائه عليهم، و مدحه لهم، و نحو ذلك. و ربما أولوها بارادته لذلك.
فتارة يؤوّلونها بالمفعول المنفصل، و تارة يؤوّلونها بنفس الإرادة.
و يقولون: الإرادة إن تعلقت بتخصيص العبد بالأحوال و المقامات العلية، سميت محبة، و إن تعلقت بالعقوبة و الانتقام سميت غضبا. و إن تعلقت بعموم الإحسان و الإنعام الخاص سميت برا، و إن تعلقت بايصاله فى خفاء من حيث لا يشعر أ و لا يحتسب سميت: لطفا، و هى واحدة، و لها أسماء و أحكام باعتبار متعلقاتها.
و من جعل محبته للعبد ثناءه عليه و مدحه له. ردها إلى صفة الكلام، فهى عنده من صفات الذات، لا من صفات الأفعال، و الفعل عنده نفس المفعول، فلم يقم بذات الرب محبة لعبده و لا لأنبيائه، و رسله البتة.
و من ردها إلى صفة الإرادة جعلها من صفات الذات باعتبار أصل الإرادة، و من صفات الأفعال باعتبار تعلقها.
و لما رأى هؤلاء أن المحبة إرادة، و أن الإرادة لا تتعلق إلا بالمحدث المقدور. و القديم و يستحيل أن يراد أنكروا محبة العباد، و الملائكة و الأنبياء و الرسل له. و قالوا: لا معنى إلا إرادة التقرب إليه، و التعظيم له، و إرادة عبادته، فأنكروا خاصة الإلهية، و خاصة العبودية، و اعتقدوا أن هذا من موجبات التوحيد و التنزيه، فعندهم لا يتم التوحيد و التنزيه، إلا بجحد حقيقة الإلهية، و جحد حقيقة العبودية.