الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٢١٦
..........
و قوله لأنبيائه مثل هذا تسكين لجأشهم [١] و تبشير لهم و تأنيس على جهة النهى الذي زعموا، و لكن كما قال سبحانه: تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا [٢] فصلت: ٣٠ و هذا القول إنما يقال لهم عند المعاينة، و ليس إذ ذاك أمر بطاعة و لا نهى عن معصية.
و وجه آخر من التحقيق، و هو أن النهى عن الفعل لا يقضى كون المنهىّ فيه، فقد نهى اللّه نبيّه عن أشياء، و نهى عباده المؤمنين، فلم يقتض ذلك أنهم كانوا فاعلين لتلك الأشياء فى حال النهى، لأن فعل النهى فعل مستقبل، فكذلك قوله: لأبى بكر: لا تحزن، لو كان الحزن كما زعموا لم يكن فيه على أبى بكر- رضى اللّه عنه- ما ادّعوا من الغضّ، و أما ما ذكرناه نحن من حزنه على النبيّ (صلى الله عليه و سلم)، و إن كان طاعة، فلم ينهه عنه الرسول (عليه السلام) إلا رفقا به و تبشيرا له لا كراهية لعمله، و إذا نظرت المعانى بعين الإنصاف لا بعين الشهوة و التعصب للمذاهب لاحت الحقائق، و اتّضحت الطّرائق و اللّه الموفق للصواب.
معية اللّه مع رسوله و صاحبه:
و انتبه أيها العبد المأمور بتدبّر كتاب اللّه تعالى لقوله: إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا التوبة: ٤٠ كيف كان معهما بالمعنى، و باللفظ، أما المعنى
[١] الجأش: رواع القلب اذا اضطرت عند الفزع، و نفس الإنسان جمعه، جشوش «القاموس».
[٢] و الآية فى حق الذين قالوا ربنا اللّه، ثم استقاموا. فهى فى حق خير فئة مؤمنة.