الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ٢١٢
..........
يقفون الأثر، حتى انتهوا إلى باب الغار، و قد أنبت اللّه عليه ما ذكرنا فى الحديث قبل هذا، فعند ما رأى أبو بكر رضى اللّه عنه القافة اشتد حزنه
القاصون الأثر أولو خبرة و دراية تامة بقص الأثر، و لقد أدت بهم الأدلة إلى المثول أمام باب الغار، و يشعر بهم النبيّ «ص» و أبو بكر. و يقول أبو بكر لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا. و تدبر قوله تحت قدميه لنرى أنهم كانوا قيد خطوة أو نصفها من باب الغار .. و يقول الرسول «ص» مجيبا صاحبه مذكرا يحفظ اللّه سبحانه: ما ظنك يا أبا بكر باثنين، اللّه ثالثهما. كما روى البخاري- و تدبر مع الحديث قوله سبحانه: وَ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ قَلْبِهِ. هذا هو القهر الأعظم الذي لا يغلبه قهر آخر، و لا تقف أمام سلطانه الأعظم قوى و لا قدر فلما ذا تصرف القلب عن تدبر جلال الآية الكبرى هنا من صرف اللّه عنه قلوبهم و أعينهم و أسماعهم و إحساساتهم، إلى رواية واهية تصور حمامة و عنكبوتا. سل نفسك ..
كيف لم يبصروه و الواقع المحسوس الملموس المشهود يؤكد أنه هنا؟ لم لم ينظر أحدهم تحت قدميه، و كل شيء يؤكد أن المنشود العظيم فى الغار؟ و الرغبة الملحة فى النفس تدفع الى استنباء الرمل و الحصى و الصخر و الجبل عن منشودهم. و الرمل و الحصى و كل شيء تحت العين و صوبها يملأ حتى عقل الغبى؟؟؟ بفهم هذه الدلالة البينة الواضحة المستمدة من أدلة لا يمكن أن يصرف الإنسان عنها نزعة من شك. الدلالة التي تشبه فى وضوحها وضوح أن الواحد نصف الاثنين كانت الدلالة، و كانت الأدلة حينئذ لا نحتمل سوى شيء واحد هو أن محمدا «ص» فى الغار. فلم لم ينظروا؟
ليست الحمامتان و لا العنكبوت ... إنما هو هذا السلطان الأعظم الذي يصرف القلوب، و يصرف الأبصار و الأسماع عما تريد و تحب و إن كان منها قيد شعرة.
إنما هو القهر الإلهى الأكبر و الجبروت الأسمى الذي لا يدع لأحد قدرة تقف لحظة أمامه، و هو جل شأنه يريد ذلك. و لو أن نصا ثابتا تحدث عن الحمامتين و العنكبوت ما انصرف عنه الفكر و لا القلم، فاللّه قادر سبحانه على أعظم و أعظم.