الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١١٥
..........
الْمَسْجِدِ الْحَرامِ البقرة: ١٥٠ أى: من أى جهة جئت إلى الصلاة، و خرجت إليها فاستقبل الكعبة كنت مستدبرا لبيت المقدس، أو لم تكن، لأنه كان بمكة يتحرّى فى استقباله بيت المقدس أن تكون الكعبة بين يديه، و تدبر قوله تعالى: وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ و قال لأمته:
وَ حَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ و لم يقل: حيثما خرجتم، و ذلك أنه كان (عليه السلام) إمام المسلمين، فكان يخرج إليهم إلى كل صلاة ليصلى بهم، و كان ذلك واجبا عليه إذ كان الإمام المقتدى به فأفاد ذكر الخروج فى خاصّته فى هذا المعنى، و لم يكن حكم غيره هكذا، يقتضى الخروج، و لا سيّما النساء، و من لا جماعة عليه، و كرر البارى تعالى الأمر بالتوجّه إلى البيت الحرام فى ثلاث آيات، لأن المنكرين لتحويل القبلة، كانوا ثلاثة أصناف من الناس اليهود، لأنهم لا يقولون بالنسخ فى أصل مذهبهم، و أهل الرّيب و النّفاق اشتد إنكارهم له أنه كان أول نسخ نزل، و كفار قريش قالوا: ندم محمد على فراق ديننا فسيرجع إليه كما رجع إلى قبلتنا، و كانوا قبل ذلك يحتجّون عليه، فيقولون: يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم و إسماعيل، و قد فارق قبلة إبراهيم و إسماعيل، و آثر عليها قبلة اليهود، فقال اللّه له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ البقرة: ١٥٠ على الاستثناء المنقطع، أى: لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون و لا يهتدون [١]
[١] يرى بعض المفسرين أنه غير منقطع، لأن هذا لا يرد فى الكلام البليغ الفصيح. يقول البيضاوى عن الاستثناء هنا «إلا الذين ظلموا منهم استثناء من الناس، أى لئلا يكون لأحد من الناس حجة إلا للمعاندين منهم فإنهم يقولون