الروض الأنف في شرح السيرة النبوية - عبد الرحمن السهيلي - الصفحة ١١٤
..........
يكون فى القبلة نسخان نسخ سنّة بسنّة، و نسخ سنّة بقرآن، و قد بيّن حديث ابن عباس منشأ الخلاف فى هذه المسألة، فروى عنه من طرق صحاح أن رسول اللّه (صلى الله عليه و سلم)، كان إذا صلى بمكة استقبل بيت المقدس، و جعل الكعبة بينه و بين بيت المقدس، فلما كان (عليه السلام) يتحرّى القبلتين جميعا لم يبن توجّهه إلى بيت المقدس للناس، حتى خرج من مكة و اللّه أعلم. قال اللّه تعالى له فى الآية الناسخة: وَ مِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ
عليه و سلم- أمر باستقبال الصخرة من بيت المقدس، فكان يصلى بين الركنين، و هو مستقبل صخرة بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة تعذر الجمع بينهما، فأمره اللّه بالتوجه إلى بيت المقدس؛ قاله ابن عباس و الجمهور، ثم اختلف هؤلاء، هل كان الأمر به بالقرآن، أو بغيره؟ على قولين، و حكى القرطبى فى تفسيره ..
أن التوجه إلى بيت المقدس كان باجتهاده (عليه السلام)، و المقصود أن التوجه إلى بيت المقدس بعد مقدمه- (صلى الله عليه و سلم)- المدينة، و استمر الأمر على ذلك بضعة عشر شهرا، و كان يكثر الدعاء و الابتهال أن يوجه إلى الكعبة التي هى قبلة إبراهيم (عليه السلام)، فأجيب إلى ذلك و أمر بالتوجه إلى البيت العتيق، فخطب رسول اللّه- (صلى الله عليه و سلم)- الناس، فأعلمهم بذلك، و كان أول صلاة صلاها إليها صلاة العصر، كما تقدم فى الصحيحين من رواية البراء، و وقع عند النسائى من رواية أبى سعيد بن المعلى أنها الظهر ... و ذكر غير واحد من المفسرين و غيرهم أن تحويل القبلة نزل على رسول اللّه، و قد صلى ركعتين من الظهر، و ذلك فى مسجد بنى سلمة، فسمى مسجد القبلتين: و فى حديث نويلة بنت مسلم أنهم جاءهم الخبر بذلك، و هم فى صلاة الظهر، قال: فتحولت الرجال مكان النساء، و النساء مكان الرجال ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمرى، و أما أهل قباء، فلم يبلغهم الخبر إلى صلاة الفجر من اليوم الثانى كما جاء فى الصحيحين، و هى محاولة للجمع بين التي تروى أنها صلاة العصر، و بين التي تروى أنها صلاة الصبح ..