البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٨٨ - سنة مائة من الهجرة النبويّة
و فيها غزا عمر بن الوليد بن هشام المعيطي، و عمرو بن قيس الكندي من أهل حمص، الصائفة و فيها ولى عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الجزيرة فسار إليها. و فيها حمل يزيد بن المهلب إلى عمر ابن عبد العزيز من العراق، فأرسله عدي بن أرطاة نائب البصرة مع موسى بن وجيه، و كان عمر يبغض يزيد بن المهلب و أهل بيته، و يقول: هؤلاء جبابرة و لا أحب مثلهم، فلما دخل على عمر طالبه بما قبله من الأموال التي كان قد كتب إلى سليمان أنها حاصلة عنده، فقال: إنما كتبت ذلك لأرهب الأعداء بذلك، و لم يكن بيني و بين سليمان شيء، و قد عرفت مكانتى عنده. فقال له عمر: لا أسمع منك هذا، و لست أطلقك حتى تؤدى أموال المسلمين، و أمر بسجنه. و كان عمر قد بعث على إمرة خراسان الجراح بن عبد اللَّه الحكمي عوضه، و قدم ولد يزيد بن المهلب، مخلد بن يزيد، فقال:
يا أمير المؤمنين إن اللَّه عز و جل قد من على هذه الأمة بولايتك عليها، فلا نكونن نحن أشقى الناس بك فعلام تحبس هذا الشيخ و أنا أقوم له أ تصالحني عنه؟ فقال عمر: لا أصالحك عنه إلا أن تقوم بجميع ما يطلب منه، و لا آخذ منه إلا جميع ما عنده من مال المسلمين. فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة عليه بما تقول و إلا فاقبل يمينه أو فصالحني عنه، فقال: لا آخذ منه إلا جميع ما عنده.
فخرج مخلد بن يزيد من عند عمر، فلم يلبث أن مات مخلد. و كان عمر يقول: هو خير من أبيه. ثم إن عمر أمر بأن يلبس يزيد بن المهلب جبة صوف و يركب على بعير إلى جزيرة دهلك التي كان ينفى إليها الفساق، فشفعوا فيه فرده إلى السجن، فلم يزل به حتى مرض عمر مرضه الّذي مات فيه، فهرب من السجن و هو مريض، و علم أنه يموت في مرضه ذلك، و بذلك كتب إليه كما سيأتي [١]، و أظنه كان عالما أن عمر قد سقى سما.
و فيها في رمضان منها عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد اللَّه الحكمي عن إمرة خراسان، بعد سنة و خمسة أشهر، و إنما عزله لأنه كان يأخذ الجزية ممن أسلم من الكفار و يقول: أنتم إنما تسلمون فرارا منها. فامتنعوا من الإسلام و ثبتوا على دينهم و أدوا الجزية، فكتب إليه عمر: إن اللَّه إنما بعث محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) داعيا، و لم يبعثه جابيا. و عزله و ولى بدله عبد الرحمن بن نعيم القشيري على الحرب، و عبد الرحمن بن عبد اللَّه على الخراج. و فيها كتب عمر إلى عماله يأمرهم بالخير و ينهاهم عن الشر، و يبين لهم الحق و يوضحه لهم و يعظهم فيما بينه و بينهم، و يخوفهم بأس اللَّه و انتقامه، و كان فيما كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم القشيري:
أما بعد فكن عبدا للَّه ناصحا للَّه في عباده، و لا تأخذك في اللَّه لومة لائم، فان اللَّه أولى بك من الناس، و حقه عليك أعظم، و لا تولين شيئا من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم،
[١] في صفحة ١٩١ في هذه الملزمة