البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩١ - أنس بن مالك
يلتئم ثم أمطرت حتى خيل إلينا أنها ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال:
انظر أين بلغت السماء، فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيرا.
و قال الامام أحمد: حدثنا معاذ بن معاذ ثنا ابن عون عن محمد قال: كان أنس إذا حدث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حدثنا ففرغ منه قال: أو كما قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال الأنصاري عن ابن عوف عن محمد قال: بعث أمير من الأمراء إلى أنس شيئا من الفيء فقال أخمس؟ قال: لا، فلم يقبله: و قال النضر بن شداد عن أبيه: مرض أنس فقيل له ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضنى.
و قال حنبل بن إسحاق: ثنا أبو عبد اللَّه الرقاشيّ ثنا جعفر بن سليمان ثنا على بن يزيد قال: كنت في القصر مع الحجاج و هو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث، جوال في الفتن، مرة مع على، و مرة مع ابن الزبير، و مرة مع ابن الأشعث، أما و الّذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، و لأجردنك كما تجرد الضب. قال يقول أنس:
إياي يعنى الأمير؟ قال إياك أعنى، أصم اللَّه سمعك، قال فاسترجع أنس، و شغل الحجاج فخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة، فقال: لو لا أنى ذكرت ولدى- و في رواية لو لا أنى ذكرت أولادي الصغار- و خفته عليهم ما باليت أي قتل أقتل، و لكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستخفني بعده أبدا. و قد ذكر أبو بكر بن عياش أن أنسا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج و يقول: و اللَّه لو أن اليهود و النصارى رأوا من خدم نبيهم لأكرموه، و أنا قد خدمت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عشر سنين.
فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابا فيه كلام جد و فيه: إذا جاءك كتابي هذا فقم إلى أبى حمزة فترضّاه و قبّل يده و رجله، و إلا حل بك منى ما تستحقه. فلما جاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة و الشدة، همّ أن ينهض إليه فأشار عليه إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبى المهاجر، الّذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس، و أشار على أنس أن يبادر إلى الحجاج بالمصالحة- و كان إسماعيل صديق الحجاج- فجاء أنس فقام إليه الحجاج يتلقاه، و قال: إنما مثلي و مثلك إياك أعنى و اسمعي يا جارة. أردت أن لا يبقى لأحد على منطق.
و قال ابن قتيبة: كتب عبد الملك إلى الحجاج- لما قال لأنس ما قال-: يا ابن المستفرمة عجب الزبيب لقد هممت أن أركلك ركلة تهوى بها إلى نار جهنم، قاتلك اللَّه أخيفش العينين، أفيتل الرجلين، أسود العاجزين- و معنى قوله المستقرة عجب الزبيب- أي تضيق فرجها عند الجماع به، و معنى أركلك أي أرفسك برجلي، و سيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس و تسعين. و قال أحمد بن صالح العجليّ: لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين، معيقيب كان به الجذام، و أنس بن مالك كان به وضح. و قال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى جعفر قال: