البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٩ - أنس بن مالك
و يقال أبو ثمامة الأنصاري النجاري، خادم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صاحبه، و أمه أم حرام مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، زوجة أبى طلحة زيد بن سهل الأنصاري. روى عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحاديث جمة، و أخبر بعلوم مهمة. و روى عن أبى بكر و عمر و عثمان و ابن مسعود و غيرهم.
و حدث عنه خلق من التابعين، قال أنس: قدم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) المدينة و أنا ابن عشر سنين، و توفى و أنا ابن عشرين سنة. و قال محمد بن عبد اللَّه الأنصاري عن أبيه عن ثمامة قال قيل لأنس:
أشهدت بدرا؟ فقال: و أين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري: شهدها يخدم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي، قلت:
الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المغازي و اللَّه أعلم.
و قد ثبت أن أمه أتت به-
و في رواية عمه زوج أمه أبو طلحة- إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقالت:
يا رسول اللَّه هذا أنس خادم لبيب يخدمك، فوهبته منه فقبله، و سألته أن يدعو له فقال: «اللَّهمّ أكثر ماله و ولده و أدخله الجنة».
و ثبت عنه أنه قال: كنّانى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بنخلة كنت أجتنيها.
و قد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين و شكراه في ذلك، و قد انتقل بعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فسكن البصرة، و كان له بها أربع دور، و قد ناله أذى من جهة الحجاج، و ذلك في فتنة ابن الأشعث، توهم الحجاج منه أنه له مداخلة في الأمر، و أنه أفتى فيه، فختمه الحجاج في عنقه، هذا عنق الحجاج، و قد شكاه أنس كما قدمنا إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج يعنفه، ففزع الحجاج من ذلك و صالح أنسا. و قد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته، قيل في سنة ثنتين و تسعين، و هو يبنى جامع دمشق، قال مكحول: رأيت أنسا يمشى في مسجد دمشق فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة فقال: لا وضوء. و قال الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبد اللَّه بن أبى المهاجر قال: قدم أنس على الوليد فقال له الوليد: ما ذا سمعت من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يذكر به الساعة؟
فقال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «أنتم و الساعة كهاتين».
و رواه عبد الرزاق بن عمر عن إسماعيل قال: قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين و تسعين فذكره. و قال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق و هو يبكى فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف مما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه إلا هذه الصلاة، و قد صنعتم فيها ما صنعتم. و في رواية و هذه الصلاة قد ضيعت- يعنى ما كان يفعله خلفاء بنى أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع- كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته كما سيأتي،
و قال عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس. قال: جاءت بى أمى إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنا غلام فقالت: يا رسول اللَّه خويدمك أنيس فادع اللَّه له.
فقال: «اللَّهمّ أكثر ماله و ولده و أدخله الجنة».
قال: فقد رأيت اثنتين و أنا أرجو الثالثة، و في