البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٧ - فتح سمرقند
و شرقا و شمالا، فجعلوا يفتتحون المغرب بلدا بلدا، و إقليما إقليما، و يغنمون الأموال و يسبون الذراري و النساء، و رجع موسى بن نصير بغنائم و أموال و تحف لا تحصى و لا تعد كثرة.
و فيها قحط أهل إفريقية و أجدبوا جدبا شديدا، فخرج بهم موسى بن نصير يستسقى بهم، فما زال يدعو حتى انتصف النهار، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال:
ليس هذا الموضع موضع ذاك، فلما قال هذه المقالة أرسل اللَّه عليهم الغيث فأمطروا مطرا غزيرا و حسن حالهم، و أخصبت بلادهم. و فيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد اللَّه بن الزبير خمسين سوطا بأمر الوليد له في ذلك، و صب فوق رأسه قربة من ماء بارد في يوم شتاء بارد، و أقامه على باب المسجد يوم ذلك فمات (رحمه اللَّه). و كان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، و كان إذا بشر بشيء من أمر الآخرة يقول: و كيف و خبيب لي بالطريق؟ و في رواية يقول هذا إذا لم يكن خبيب في الطريق، ثم يصيح صياح المرأة الثكلى، و كان إذا أثنى عليه يقول:
خبيب و ما خبيب إن نجوت منه فأنا بخير. و ما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيبا فمات فاستقال و ركبه الحزن و الخوف من حينئذ، و أخذ في الاجتهاد في العبادة و البكاء، و كانت تلك هفوة منه و زلة، و لكن حصل له بسببها خير كثير، من عبادة و بكاء و حزن و خوف و إحسان و عدل و صدقة و بر و عتق و غير ذلك.
و فيها افتتح محمد بن القاسم- و هو ابن عم الحجاج بن يوسف- مدينة الدبيل و غيرها من بلاد الهند و كان قد ولاه الحجاج غزو الهند و عمره سبع عشرة سنة، فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر- و هو ملك الهند- في جمع عظيم و معه سبع و عشرون فيلا منتخبة، فاقتتلوا فهزمهم اللَّه و هرب الملك داهر، فلما كان الليل أقبل الملك و معه خلق كثير جدا فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الملك داهر و غالب من معه، و تبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه. ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج و برها و رجع بغنائم كثيرة و أموال لا تحصى كثرة، من الجواهر و الذهب و غير ذلك [فكانت سوق الجهاد قائمة في بنى أمية ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض و مغاربها، و برها و بحرها، و قد أذلوا الكفر و أهله، و امتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، و كان في عساكرهم و جيوشهم في الغزو الصالحون و الأولياء و العلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر اللَّه بهم دينه. فقتيبة ابن مسلم يفتح في بلاد الترك، يقتل و يسبى و يغنم، حتى وصل إلى تخوم الصين، و أرسل إلى ملكه يدعوه، فخاف منه و أرسل له هدايا و تحفا و أموالا كثيرة هدية، و بعث يستعطفه مع قوته و كثرة جنده، بحيث إن ملوك تلك النواحي كلها تؤدى إليه الخراج خوفا منه. و لو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد]